تحديات السيولة والربحية للمصارف السودانية … خارطة طريق لتجاوز أثار الحرب
Mazin
د. الهيثم الكندي يوسف
يمثل القطاع المصرفي العمود الفقري للاقتصاد في اي بلد. ففي السودان يعيش هذا القطاع ظروفاً عسيرة وأوضاعاً معقدة جعلت مؤشراته الرئيسية (السيولة والربحية) الهامة في تقييم المصارف والمتعارف عليها عالميا، جعلت هذه المؤشرات في موقف لا تحسد عليه. فبينما تحاول المصارف استعادة توازنها مع عودة الحياة تدريجياً لبعض المناطق تواجه تلك المصارف تحديات هيكلية تهدد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الملاك والعاملين والمودعين والدولة على حد سواء.
لم تنشأ أزمة السيولة في المصارف السودانية نتاج لسياسات نقدية فحسب بل حدثت أيضآ نتيجة عمليات النهب الممنهج لفروع المصارف في المناطق التي سيطرت عليها مليشيا الدعم السريع. هذا الواقع خلق حالة من الخوف لدى المودعين حيث أحجم الكثيرون عن إيداع مدخراتهم خوفاً من تكرار التجربة أو عجز البنوك عن رد الأموال عند الطلب.
وما زاد من أمر السيولة سوءاً التفاوت التقني الكبير بين المصارف حيث سيطر مصرف واحد على الخدمات الإلكترونية مما خلق احتكاراً واقعياً نتيجة شمول وتوسع تطبيقه وهو ما أكسب الجمهور ثقة في تطبيقه المصرفي بينما وقفت بقية المصارف عاجزة عن المنافسة التقنية الشئ الذي حرمها من الاستفادة من التدفقات النقدية من المودعين. مع تآكل قيمة العملة تحت ضغط التضخم الذي تجاوز 400% بالمقارنة بالوضع ما قبل الحرب أصبح الوفاء بالرواتب والرسوم الحكومية مشكلة أخري للمصارف خاصة مع إعادة افتتاح الفروع التي تفرض أعباء تشغيلية جديدة على هيكل مالي منهك أصلاً.
أما عن الربحية فتظهر القوائم المالية لكثير من البنوك تحقيق أرباح في زمن الحرب وهو أمر يثير تساؤلات محاسبية كبرى ففي ظل تعثر عمليات التمويل القديمة نتيجة دمار المشاريع وسرقة أصولها وضعف النشاط الاقتصادي العام تبدو هذه الأرباح كأرباح تضخمية وهمية ناتجة عن إعادة تقييم الأصول. وتلجأ عادة إدارات المصارف لإظهار هذه الأرباح لتثبيت مواقعها الإدارية أو طمأنة العملاء إلا أن ذلك يلقي بأخطار مريعة فهو يضطر المصارف لتوزيع أرباح للملاك ودفع ضرائب للدولة من سيولة هي في الأصل غير متوفرة مما يفاقم الفجوة ويضعف رأسمال المصارف. أما خارطة الطريق فهي تكوين كيانات مصرفية رشيقة الهياكل قوية الرساميل ذكية النظم…
إن الخروج من هذا النفق يتطلب جراحة إقتصادية عاجلة ترتكز على المحاور التالية:
– تشجيع البنوك علي الاندماج أو زيادة رأس المال لخلق كيانات مصرفية ضخمة قادرة على المنافسة وتحمل الهزات.
– الثورة الرقمية والإدارية عن طريق تحديث الأنظمة المصرفية لتكون أكثر ذكاءً مما يزيد من قدرتها على جذب العملاء. والاعتماد على هياكل إدارية رشيقة تقلل التكلفة وتزيد من سرعة الاستجابة لمؤشرات السوق. – الانفتاح الخارجي وجذب تحويلات المغتربين حيث تحتاج المصارف لاستعادة العلاقات مع المصارف المراسلة في دول العالم و الإقليم خاصة في السعودية وتركيا وقطر وابتكار حوافز حقيقية تدفع المغتربين لتحويل أموالهم عبر القنوات الرسمية بدلاً عن القنوات الأخرى.
– التحول نحو التمويل الصغير ومتناهي الصغر فالتمويلات الكبيرة عالية المخاطر بسبب عدم الاستقرار والحل يكمن في التركيز على تمويل المهن الصغيرة ومشاريع الشباب والزراعة الريفية في المناطق الآمنة، هذا النوع من التمويل يمتاز بسرعة الدوران وتوزع المخاطر على عدد كبير من العملاء ويحقق ربحية حقيقية.
– هيكلة الودائع عبر صيغ استثمارية مبتكرة وجاذبة ففي ظل التضخم الحادث الآن سيحجم المودعون عن الايداع بصيغ الادخار التقليدية، عليه فلا بد من ابتكار صيغ تشجع الايداع والادخار عبر مشاركات مرتبطة بتعدين الذهب أو محاصيل الصادر بما يحمي القيمة الشرائية لأموال المودعين ويغري أصحاب الكتلة النقدية المعطلة للعودة للجهاز المصرفي مما يوفر سيولة وفرص تحقيق أرباح لكل الأطراف. – الاعتماد على الفروع الرقمية أو وكلاء المصارف (محلات تجارية مرخصة لتقديم خدمات سحب وإيداع بسيطة) هذا يقلل التكاليف التشغيلية ويجعل الخدمات متاحة لكل المواطنين.
– إعادة العمل بالصكوك السيادية والتمويل الحكومي عبر تعاون وزارة المالية والبنك المركزي والجهاز المصرفي لتصميم صكوك مرتبطة بمشاريع إعادة الإعمار (جسور، طرق، محطات كهرباء) هذه الصكوك تمثل أداة ممتازة لإدارة السيولة وتوجيهها نحو مشاريع ذات عائد مضمون ومحمي بضمانات حكومية.
إن تعافي القطاع المصرفي هو تعافٍي للاقتصاد الوطني بأكمله إذ أن المرحلة القادمة تتطلب شفافية من إدارات البنوك وتفكيراً خارج الصندوق وإرادة سياسية من البنك المركزي لدفع عجلة الإصلاح الهيكلي لضمان أن تكون المصارف هي المحرك للموارد الضخمة للبلاد والفاعل الرئيسي لعملية إعادة إعمار ما دمرته الحرب.