تجربة التدابير الدستورية لمعالجة تعطيل أو إلغاء الدساتير في السودان
Mazin
دكتورة بدرية سليمان عباس
الدولة المعاصرة تعتبر منظمة ذات كيان بيدها السلطات، مما يعني ضرورة أن تكون لديها وثيقة تنظم تلك السلطات من حيث الاختصاصات والعلاقات فيما بينها، إلى جانب المبادئ والقواعد القانونية المتعلقة بنظام الحكم وشكل الدولة وحريات وحقوق المواطنين، وهذه الوثيقة تُسمى الدستور، وهي من أسمى القواعد القانونية في أي دولة، إذ إنها تعبر عن واقع المجتمع السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي، حيث تنشأ المؤسسات والأجهزة وتُحدد صلاحياتها واختصاصاتها، ويتم فيها تخطيط كل قواعد وطبيعة العملية السياسية. لأن الدستور هو الوثيقة التي تشمل كل القواعد القانونية الأساسية التي تُحدد وتُنظم السلطة وأسس وطبيعة هيئات الحكم في الدولة، توضح نظام الحكم وشكل الدولة، هل هي دولة موحدة أم مركبة، نظام الحكم هل هو جمهورية أو ملكي أو برلماني أو رئاسي أو مختلطً، هذا بجانب تحديد اختصاصات وسلطات الأجهزة التشريعية والتنفيذية والقضائية، ووفق القواعد الدستورية تُحدد حقوق الأفراد ومداها وواجباتهم وضرورة التزاماتهم.
تعرض السودان في فترات حكمه أو منذ الاستقلال لأنظمة حكم مختلفة، فصدرت العديد من الدساتير المؤقتة والانتقالية والدائمة، إلا أنها كلها لم تستمر ولم تصمد طويلًا، إما لانهيار الحكم بسبب الثورات أو الانقلابات العسكرية، أو اتفاقيات إنهاء الحروب، أو الصراعات المسلحة، مما استتبع أن تمر البلاد بفترات انتقالية تُدار عبر آليات وتدابير دستورية.
هذا الأمر بدأ من قبل أن ينال السودان استقلاله، ففي فترة الحكم الثنائي اعتُبرت اتفاقية الحكم الثنائي المبرمة بين بريطانيا ومصر في 1899 بمثابة الدستور. ركزت السلطة في يد الحاكم العام، كان هدفها استقرار الحكم في يد المستعمر، ثم صدر قانون المجلس الحاكم العام في 1910، وهو مجلس استشاري لمساعدة الحاكم العام في تأدية مهامه ووظائفه، ثم صدر قانون المجالس الاستشارية، فصدر قانون المجلس الاستشاري لشمال السودان في سنة 1943، ثم صدر قانون المجلس التنفيذي والجمعية التشريعية في سنة 1947، عندما أحس المستعمر برغبة السودانيين في الوصول للحكم الذاتي الكامل في أغرب وقت. فكان أن صدر قانون الحكم الذاتي سنة 1953 نظم الحقوق الأساسية و حدد سلطات الحاكم العام والهيئة التنفيذية والهيئة التشريعية والهيئة القضائية وسلطاتها بجانب تنظيمه للأجهزة الإدارية الأخرى.
بناءً على قراري الجمعية التشريعية في 6 نوفمبر 1950 و9 ديسمبر 1950، أصدر الحاكم العام قراراً بتكوين لجنة لوضع دستور الحكم الذاتي، وتم ذلك فصدر دستور 1956، فانسحبت بريطانيا من حكم السودان، وأعلن الاستقلال، وأصدرت الجمعية التشريعية ممثلة في مجلسي النواب والشيوخ وقت ذاك، في جلسة مشتركة بين المجلسين، دستور السودان المؤقت 1956، والذي لم يكن سوى قانون الحكم الذاتي 53 بتعديلات صياغية طفيفة، وشكلت حينها لجنة قومية لوضع مشروع الدستور الدائم، إلا أنه لم يرَ النور بسبب الانقلاب العسكري في 17 نوفمبر 1958 بقيادة الفريق إبراهيم عبود، فصدرت العديد من الأوامر الدستورية أبرزها المرسوم الدستوري رقم 1 الذي تقرر فيه أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو السلطة الدستورية العليا في السودان، وهو السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية العليا، وتم تخويل سلطات ذلك المجلس لرئيسه حسب ما جاء في المادة 5 من ذاك المرسوم. بموجب الأمر الدستوري رقم 3 عُطّل دستور 1956، حُلّ البرلمان، حُلّت كل الأحزاب السودانية، أُبطل قيام أي حزب سياسي، ثم صدر قانون المجلس المركزي في سنة 1962 لإنشاء مجلس مركزي يكون ذلك المجلس مع رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، معًا هما الهيئة التشريعية العليا، نظم ذلك القانون عضوية المجلس وإجراءات التشريع والمالية وغيرها.
في 21 أكتوبر 1964 حدثت ثورة شعبية أطاحت بالحكم العسكري، فصدرت وثيقة سُمّيت الميثاق الوطني 1964، وفيه اتفاق شامل بين مندوبي القوات المسلحة وممثلي ما سُمّي حينها الجبهة القومية الموحدة، حيث تم الاتفاق على أن تنشأ حكومة انتقالية، تتولى الحكم وفقًا لأحكام الدستور المؤقت سنة 1956، ويكون الرئيس عبود رأسًا للدولة، يباشر السلطات المنصوص عليها في ذلك الدستور، والتي كان يباشرها مجلس السيادة، على أن يتشاور في ذلك مع مجلس الوزراء، وأوكل له قيادة القوات المسلحة، على أن ينتهي ذلك الوضع المؤقت بوضع الدستور الدائم وإقراره، وقيام حكومة يختار الشعب أن تتولى السلطة التنفيذية إلى جانب مهام التشريع.
إلا أن هذا أيضًا لم يستمر طويلًا، إذ بموجب الاتفاق والميثاق الوطني تم تصفية الحكم العسكري، وإطلاق الحريات، رُفعت حالة الطوارئ، أُطلق سراح المعتقلين السياسيين والمحكومين في قضايا سياسية، وأثناء فترة الانتقال تم الاحتكام لدستور سُمّي الدستور المؤقت المعدل 1964، فكان هو الوثيقة والقانون الأساسي الذي حُكمت به البلاد أثناء فترة الانتقال، وبمقتضاه تم النص على قيام جمعية تأسيسية تتولى وضع الدستور الدائم.
في 1968 أقرّت الجمعية التأساسية تكوين لجنة من 40 عضوًا من بين أعضاء الجمعية التأسيسية، وقامت اللجنة بوضع مسودة الدستور الدائم 1968، ولم يرَ المشروع النور نسبة للأوضاع السياسية والأمنية التي كانت تمر بها البلاد وقت ذاك.
في مايو 1969 استولى الجيش على الحكم في نفس اليوم صدر الأمر الجمهوري رقم 1، وأعلن فيه أن السودان جمهورية ديمقراطية السيادة فيها للشعب ينوب عنه في مجال أعمال السيادة مجلس الثورة، وأوقف العمل بدستور السودان المؤقت المعدل 1964، حُلّ مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، والجمعية التأسيسية، ولجنة الخدمة المدنية، ولجنة الانتخابات، على أن يباشر مجلس الوزراء الذي كُوّن وفقًا لهذا الأمر السلطتين التنفيذية والتشريعية، وعلى أن يكون مسؤولًا أمام مجلس قيادة الثورة.
حُلّت الأحزاب السياسية، مُنع قيام أي تشكيل سياسي أو أي تنظيم يحتمل أن يستغل لأغراض سياسية إلا بأمر وإذن من مجلس الوزراء. جاء أمر الجمهوري رقم 2 لمنع الأعمال الأعدائية ضد الثورة، وتم تشكيل مجلس وزراء حكومة الثورة، بموجب الأمر الجمهوري رقم 3 و رقم 4 جاء لحماية الثورة وليحدد الأفعال التي تُرتكب خارج السودان، ويعتبر الفعل فيها فاعل أصيل شريك لو كانت ارتكبت كلها أو بعضها في السودان ويحاسب على ذلك.
من أهم الأوامر الجمهورية التي صدرت في تلك الحقبة كان الأمر الجمهوري رقم 5، إذ كان هو الوثيقة الأساسية والقانون الأساسي الذي حُكم به السودان منذ تاريخ العمل به في 28/1/1971، اعتُبرت أن نصوصه تسود على أي نص في الأوامر الجمهورية السابقة، وأن القوانين السارية تسري إلى أن تُعدل، واعتُبر الاتحاد الاشتراكي السوداني هو الهيئة السياسية الوحيدة المسموح بقيامها في السودان. أما الفصل الثاني من ذلك الأمر فقد تناول الحقوق الأساسية للمواطنين، نظم السلطة التنفيذية في الفصلين الثالث والرابع، ونظم السلطة القضائية، فصل المحاكم المدنية والمحاكم الشرعية.
جاء الفصل الخامس ليتحدث عن السلطة التشريعية، وانها يمارسها برلمان، سُمّي مجلس الشعب، ويمارسها مع رئيس الجمهورية، وأوضح الأمر الجمهوري ضرورة مراعاة في تكوين مجلس الشعب أن يكون فيه تمثيل صادق للفئات المختلفة لقوى الشعب العامل والمناطق الجغرافية المختلفة، وأوكل لذلك المجلس مهمة إعداد مشروع الدستور الدائم على أن يجاز بأغلبية ثلثي أعضائه خلال المدة التي يحددها رئيس الجمهورية.
حدد الفصل السادس كل إجراءات المطلوب اتباعها في سن القوانين والتشريعات، وترك بعض الأشياء للوائح التشريعية، وتحدث عن في الفصل السابع عن الأمور المالية والميزانية، والضرائب وغيرها. أنجزت اللجنة اللي شكلت لإعداد مشروع الدستور مهمتها مستهدية بميثاق العمل الوطني الذي صدر في أول يناير 1972، والذي تضمن الخطوط العريضة لفكر وسياسات ونهج الحكم وقت ذاك، فصدر الدستور الدائم 1973 في 8/5/1973، جاء في 13 بابًا نظم فيها السيادة والدولة والمقاومات الأساسية للمجتمع السوداني، والحريات والحقوق والواجبات، وسيادة حكم القانون، وبين رئيس الجمهورية واعتباره رأس الدولة، واختصاصاته، كما بين السلطة التشريعية والسلطات واختصاصاتها، وكيف تمارس الرقابة على الأجهزة التنفيذية.
ونظم دستور 1973 لحكم اللامركزي. وتناول السلطة القضائية وتنظيمها والنائب العام والقوات المسلحة وقوات الأمن وأجهزة الخدمة العامة، والمراجع العامة واختصاصاته وسلطاته ولجان الانتخابات.
استمر العمل بدستور 1973 حتى حدثت ثورة شعبية انحازت فيها القوات المسلحة للشعب، وبدت فترة جديدة للحكم في أكتوبر 1985، صدر الدستور الانتقالي سنة 1985، منظمًا للحكم وهيئاته وأجهزته وسلطاته بجانب حقوق وحريات وواجبات المواطن أثناء فترة انتقالية، يعمل فيها لإصدار دستور دائم. استمر الصراع السياسي والحزبي، فجاءت حكومات ائتلافية متعددة لم تصمد كثيرًا حتى تدخلت القوات المسلحة بانقلاب عسكري في 30 يونيو 1989، واستولى الجيش على السلطة، وتم إصدار 14 مرسومًا دستوريًا قبل أن يصدر الدستور الدائم 1998.
المرسوم الدستوري الأول عطل العمل بدستور 1985 وحل الجمعية التأسيسية ومجلس رأس الدولة ومجلس الوزراء، وقرر أن مجلس قيادة الثورة هو الذي يتولى إصدار المراسيم الدستورية وتعديلها، وكل الشؤون العسكرية والأمنية ورئيسه هو رأس الدولة على أن يتولى السلطة التنفيذية مجلس للوزراء.
المرسوم الثاني حُلّت به الأحزاب السياسية وحُظر تكوينها، حُلّت حكومات الأقاليم لأنه كان تقرر أنه يكون السودان فيه 9 أقاليم، وأعلن بموجبه أيضًا حل النقابات، وأعلنت حالة الطوارئ، وأُلغيت كل تراخيص كل المؤسسات والإصدارات الصحفية والإعلامية غير الحكومية.
جاء المرسوم الثالث نظم أجهزة الحكم وحدد اختصاصاتها، المرسوم الرابع كان هو أهم مرسوم من هذه المراسيم لأنه نظم أمر تأسيس الحكم الاتحادي اللامركزي، فألغى قانون الحكم الإقليمي للمديرية الجنوبية وقانون الحكم الإقليمي 1980 وقانون العاصمة القومية وقرر أن يدار السودان على أساس الحكم الاتحادي، قسم المرسوم السودان لولايات وفق المادة 5 منه، وحدد الأجهزة الاتحادية ومنح كل ولاية الشخصية الاعتبارية المستقلة والميزانية المنفصلة، ونظم السلطات والاختصاصات بين المركز والولايات وقسمة الثروة بينها. أما المرسوم الدستوري الخامس الصادر في 31/12/1991 فقد أُنشئ بموجبه مجلس انتقالي يتولى سلطة التشريع سُمّي المجلس الوطني الانتقالي يباشر أعماله حتى تُجرى انتخابات لمجلس وطني جديد منتخب حدد المرسوم مهام المجلس واختصاصاته ولجانه وإجراءات عمله.
المرسوم الدستوري السادس عُدّلت بموجب بعض المراسيم تعديلات متنوعة، والسابع صدر في 16/10/1993 حدد المبادئ والنظم والتطورات الدستورية لتكون المبادئ الموجهة لسياسات الدولة وحقوق المواطنين وواجباتهم، وبيّن منصب رئيس الجمهورية ونائبه، ونظّم المؤتمرات النوعية والقطاعية، ونظّم الانتخابات ومجالس الولايات المنتخبة.
أما المرسوم التاسع فقد نظّم انتقال وأيلولة السلطات وإستمرارية المراسم الدستورية وتم فيه تعديل المرسوم الدستوري الرابع بالمرسوم العاشر حيث تم إعادة تقسيم الولايات، فزادت عدد الولايات مما كانت عليه.
جاء المرسوم الحادي عشر مفصلاً ومنظماً لأجهزة الحكم الاتحادي بالولايات واختصاصاتها وسلطاتها ثم جاء المرسوم الدستوري الثاني عشر في 1995 لتنظيم علاقات الحكم الاتحادي وتعديل نظم الولايات و ألغى المرسوم الدستوري الرابع والعاشر و تم تحديد نظم الحكم وتقسيم الولايات وتوزيع السلطات والموارد المالية وتم تحديد أجهزة الولايات.
أما المرسوم الثالث عشر فقد عُني بتحديد أجهزة الحكم الاتحادية من حيث السلطات واختصاصاتها وصلاحياتها وكل جهاز من تلك الأجهزة كما تناول تنظيم النظم والمؤسسات والهيئات الاتحادية والقومية.
كان آخر المراسيم الدستورية هو المرسوم الدستوري الرابع عشر الذي اختص بتنفيذ اتفاقية السلام 1997 الموقعة بين القوى السياسية والفعاليات الشعبية الجنوبية والحكومة والاتحادية، وبموجبه تم إنشاء مجلس تنسيق الولايات الجنوبية حددت مهامه واختصاصاته في ظل الحكم الاتحادي اللامركزي. في 2/7/1997 شُكّلت لجنة قومية لإعداد مشروع دستور السودان استناداً للمادة 5(ز) من المرسوم الدستوري العاشر 1995 نصّ على أن تكون اللجنة إعداد الدستور لها لجنة فنية عملت اللجنة على إنفاذ المطلوب منها وأجيز مشروع دستور السودان من المجلس الوطني الانتقالي وطرح للاستفتاء الشعبي الذي أيده الشعب وأصبح دستوراً للسودان سنة 1998 استمرت الدولة وأجهزتها تعمل بموجب أحكامه غير الأحداث الجارية في الولايات الجنوبية والحرب الدائرة هناك دفعت أجهزة الدولة للتحاور مع الحركة الشعبية في الجنوب للوصول لاتفاق لوقف الحرب والاحتكام لاتفاقية السلام شامل الذي صيغة نصوصه في أحكام دستورية توافقت عليها القوى السياسية والاجتماعية وأجازه المجلس الوطني وبرلمان جنوب السودان فصدر الدستور الانتقالي 2005 متضمناً كل الأحكام المتفق عليها في الاتفاقية في نصوص دستورية محكمة ارتضاها الجميع واستمر العمل بذلك الدستور إلى أن تم إلغاء العمل به بموجب المادة 2 من الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية 2019 والتي أُعلن في دبباجتها أنها خلاصة توافق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير و تم اعتمادها من المجلس العسكري الانتقالي بموجب المرسوم الدستوري رقم 38/2019 ليعمل بها خلال الفترة الانتقالية.
حسب نص المادة 3 من تلك الوثيقة فإنها هي القانون الأعلى بالبلاد نصّ على أن تسود أحكامها على جميع القوانين بينت تلك الوثيقة طبيعة الدولة والسيادة وخضوع الجميع لحكم القانون و حددت الفترة الانتقالية ومهام أجهزة الدولة خلال تلك الفترة وبينت الأجهزة ومستويات الحكم وأجهزة الحكم الانتقالي واختصاصات كل جهاز وشروط العضوية لمجلس سيادة ومجلس الوزراء تعرضت لإنشاء مجلس تشريع انتقالي وشروط عضويته واختصاصاته وسلطاته وأجله ثم أشارت لأجهزة القضاء القومي والمحكمة الدستورية والنيابة العامة ثم المراجعة العام والأجهزة النظامية كالقوات المسلحة والشرطة وجهاز المخابرات العامة ثم دلفت لتفصيل المفوضيات المستقلة وحالة الطوارئ وأفردت الفصل الرابع عشر لوثيقة الحقوق والحريات والفصل الخامس عشر لقضايا السلام الشامل.
من الملاحظ أن هذه الوثيقة أعدت وصدرت واعتمدت خلال مدى زمني قصير إذا اعتمدت في أغسطس 2019. طالت تلك الوثيقة تعديلات جوهرية في 2020 وفي 2025 بالاطلاع عليها وما يحدث على أرض الواقع بالأخص بعد هذه الحرب اللعينة التي فاقت مدتها ثلاث سنوات وفي ظل الاحتقان السياسي والمهددات الأمنية والبيئية والاجتماعية وانعكاساتها على السلم الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي والسياسي تبين أنه لا بد من إجراء مراجعات وجراحات عميقة لتغطية أوجه القصور والخلل وعدم المواكبة لما يتم حالياً مما جعل رئيس مجلس السيادة والقائد الأعلى للقوات المسلحة يطرح خيار الحوار الوطني الشامل لكل مكونات المجتمع السوداني ليتم داخل السودان للخروج بتوصيات ويتوافق عليها الجميع ويرتضوها حلاً لكثير من المشاكل في تقسيم السلطة والموارد وتحديد مستويات الحكم تحديد شكل الدولة المطلوب ونظام الحكم الذي يطور البلاد ويعيد ترميم ما دمرته الحرب لإعادة الإعمار للبنيات التحتية والأجهزة و شحذ الهمم لإخراج السودان من الكثير من المعوقات وينهض سوداناً قوياً فاعلاً مؤثراً بفعالية للسودانيين ودول الجوار والإقليم والعالم.
كل هذا يحتاج لإجراءات وجراحات قد تبدو مؤلمة إلا أنها ضرورية لأنها لا تتم إلا إذا اخضعت تلك الوثيقة لمراجعة شاملة على أن تكون المرجعية في تلك التعديلات كل دساتير السودان السابقة الانتقالية والمؤقتة و الدائمة وحتى التدابير الدستورية خلال المراحل الانتقالية خاصة دستور 2005 المتوافق عليه من الكثير من القوي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ،لناخذ منها الصالح المتوافق عليه وتجري تعديلات في نظام الحكم الفيدرالي ومستوياته وأجهزته وصلاحيات كل منها والتنسيق وبينها. ومن الأهم إبراز الشخصية الاعتبارية للولايات والنص على المحليات كمستوى حكم معني بخدمة المواطنين وبالضرورة أن تكون هناك مفوضية لقسمة الموارد القومية لمستويات الحكم، وأن يكون لكل مستوى حكم موارده الخاصة به، وأن تكون للولاية المنتجة للمورد القومي جعل خاص منه. وقبل هذا، أو ذاك، وإذا أردنا خفض النفقات على أجهزة الدولة، أن ينظر في مجلس السيادة وعضويته، ومجلس الوزراء، وتكوينه، والمجلس التشريعي المرتقب، ووجود أجهزة مقابلة في الولايات، كل ذلك يخفض النفقات الحكومية ويوجه الموارد للخدمات والنهضة الاجتماعية والاقتصادية.
الحوار المتوقع قد تكون له توصيات، ويخرج بها ميثاق وطني قد يكون هو الهادي للجنة أو البرلمان الذي نتوقع أن يعد ويصدر الدستور الدائم ليجيزه برلمان منتخب، وقد يخضع لاستفتاء عام غير أن الترتيبات الدستورية العاجلة الآن للمسائل العاجلة للسودان بعد الحرب بالتأكيد هي النظر في نظام الحكم وشكل الدولة والأجهزة ربما يقود الأمر لاستحداث منصب رئيس جمهورية فرد بدلاً من مجلس سيادة كثير العضوية. فكيف يتم ترتيب ذلك بإجراءات دستورية ليكتسب ذلك المنصب مشروعيته استنادًا للوثيقة الدستورية بعد ذلك، بعد تعديلها، فيطرح الأمر على استفتاء عام بتوصية من مجلس السيادة مجتمعًا مع مجلس الوزراء مشكلًا للمجلس التشريعي الانتقالي أو أن يشكل المجلس التشريعي الانتقالي ويقدم المجلس ذلك المقترح ويطرح الأمر للاستفتاء غير أن هذا يحتاج فعلاً لتعديل سابق للوثيقة الدستورية وتوافق وطني بين مكونات الشعب السوداني الذي خاض معركة الكرامة بنفسه وماله وممتلكاته مع القوات المسلحة والقوات المساندة، فيحق له أن تلبي طموحاته في مستقبل واعد للسودان.
بالرجوع للسرد السابق من التجارب والتطورات الدستورية في السودان، بالأخص في حالة إلغاء أو تعطيل الدساتير، يبرز واضحًا أن الأمور تحتاج لمراجعات استثنائية بأوامر أو مراسيم استثنائية انتقالية تغطي الفترة الانتقالية قبل إقرار الدستور الذي سيكون هو المرجعية ودائمًا من المتوقع والمنطقي أن تكون للدساتير السودانية السابقة القدح المعلى في الاستهداء بها وأخذ المفيد منها والأخذ بالنصوص القطعية المقبولة وترك الأمور غير القطعية لتفصل فيها القوانين بما لا يتعارض مع الدستور.