بين توجيه المركزي واستجابة بنك الخرطوم .. ماهي قصة المليار دولار ؟

الخرطوم – المحقق

أثار إعلان بنك الخرطوم عن توفير مليار دولار من مصادر خارجية، في صورة تمويل دوّار لاستيراد السلع الاستراتيجية، قبل أيام، ردود أفعال متباينة، بين مرحب بلا تحفظ، ومرحب لكن بتحفظ، ومشكك في طبيعة الخطوة، وقد حاول “المحقق” الاستقصاء من طبيعة الخطوة في محاولة لفهم متوازن لما حدث.

الثمرة الأولى:

مصدر رفيع في بنك السودان المركزي – فضل حجب اسمه – قال لـ”المحقق” إن خطوة بنك الخرطوم “ليست حدثاً مصرفياً معزولاً بقدر ما هي أول ثمرة ملموسة لتوجيه رسمي صادر من البنك المركزي، ففي اجتماع سابق بمديري المصارف التجارية وجّه بنك السودان المركزي المصارف بالسعي الجاد لفتح خطوط تمويل من بنوكها المراسلة في الخارج، وتوظيف علاقاتها الدولية في جلب النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية”.

وأضاف المصدر أن “القيمة الحقيقية للخطوة لا تُقاس بحجم الرقم وحده، بل بمصدر الموارد وقناة دخولها إلى الاقتصاد، فهي أموال من الخارج تصل عبر علاقات المراسلة المصرفية، ولا تتضمن سحباً إضافياً من احتياطيات الدولة أو من موارد البنك المركزي المحدودة”.

دور جديد للجهاز المصرفي:

و اعتبر المصدر أن “جوهر التوجيه هو إعادة تعريف دور الجهاز المصرفي: من مؤسسات تنتظر تخصيصات البنك المركزي، إلى مؤسسات تبحث عن الموارد وتعبئها وتوظفها في الدورة الاقتصادية”. ولفت إلى أن استجابة بنك الخرطوم كانت الأُولى والأسرع، حيث ترجم البنك التوجيه إلى صفقة تمويلية مكتملة، إسهاماً في خلق التوازن المنشود في الاقتصاد السوداني.

دور طليعي لبنك الخرطوم:

وكانت المدير التنفيذي لبنك الخرطوم، لمياء ساتي، قد كشفت، الأسبوع الماضي، أن بنك الخرطوم استطاع توفير مليار دولار من مصادر خارجية كتمويل دائري لاستيراد السلع الاستراتيجية، موضحة أن الخطوة تأتي في إطار تشجيع بنك السودان المركزي للبنوك على المساهمة في توفير خطوط الائتمان لاستيراد السلع الاستراتيجية، داعية المستوردين الراغبين في الاستيراد إلى استكمال إجراءاتهم.

أداة مؤثرة:

وحول إعلان توفير مليار دولار عبر محفظة تمويلية لتمويل السلع الاستراتيجية، أشار الخبير المصرفي نعمان محمد يوسف، لــ”المحقق” أن هذه الخطوة تُعد من الأدوات الأكثر تأثيراً ومباشرة على السوق الموازي، مشيداً بما أعلنه بنك السودان المركزي بشأن عمل المحفظة التي يقودها بنك الخرطوم تحت إشرافه ورقابته المباشرة، وهو ما يضمن توجيه الموارد نحو الأغراض الاستراتيجية.

ونوه يوسف إلى التجربة السابقة في توفير أكثر من ملياري دولار خلال الأشهر الأولى للنزاع ، وقال إنها تعد إنجازاً مهماً يستوجب التقييم بناءً على أرقام وجداول زمنية واضحة للتمييز بين مساهمة البنك الفردية والعوامل الاقتصادية الشاملة.

توليد النقد الأجنبي:

مسؤول سابق في بنك السودان المركزي، قال لــ”المحقق”، إن البنك المركزي يملك أدوات التنظيم والإشراف والتدخل في سوق النقد الأجنبي، لكنه لا يملك توليد العملة الصعبة من فراغ، فمصادر النقد الأجنبي المستدامة محصورة في الإنتاج والصادرات والاستثمار وتحويلات المغتربين والعلاقات المصرفية الخارجية. ومن ثم فإن تحويل المصارف التجارية إلى قناة نشطة لاستقطاب التمويل الخارجي يوسّع قاعدة الموارد بدل استنزاف الاحتياطي في معالجة كل اختناق طارئ.

و أشار إلى أنه من الضروري ضبط فهم الرأي العام لهذه العملية، فالمليار دولار ،بحسب قوله “ليست محفظة نقدية تُضخّ في السوق دون ضوابط، بل تمويل تجاري موجّه لاستيراد سلع استراتيجية في مقدمتها القمح والوقود. وهذا يجعل أثره قابلاً للقياس المباشر: كميات السلع المستوردة، ومعدلات توافرها، واستقرار أسعارها في السوق”، وفي المقابل – والحديث للمسؤول السابق – لا ينبغي تحميل الرقم أكثر مما يحتمل، فـ”مليار دولار لن يحسم أزمة الاقتصاد الكلي، ولن يعالج وحده اختلالات سوق الصرف، ولن يكون بديلاً عن الإنتاج والتصدير. هو مورد إضافي مهم يخفف الضغط على سوق النقد الأجنبي ويسند تمويل الواردات الأساسية”.

ما هو دور بنك السودان هذه المرة؟:

وبشأن الإجابة على التساؤل المطروح حول عدم دخول البنك المركزي شريكاً في رأس مال العملية أو في إدارتها هذه المرة، أجاب المسؤول السابق في البنك المركزي، بأنه من الناحية الفنية فأن الرقابة المصرفية لا تعني الحضور التشغيلي في كل عملية تمويل؛ ذلك أن دور المركزي هو التنظيم والإشراف ووضع الضوابط الحاكمة لعمليات النقد الأجنبي والاستيراد والتحويلات، ومتابعة التزام المصارف بها، مشيراً إلى أهمية الفصل بين المنظِّم والمنفِّذ كون ذلك هو النموذج الأمثل في العمل المصرفي الحديث، فالمركزي يضع القواعد ويراقب، والمصارف التجارية تعبّئ الموارد وتدير علاقاتها الخارجية.

التحدي أمام المصارف الأخرى:

إن خلاصة ما وصل إليه “المحقق” هو أن البنك المركزي نجح في تحويل توجيهاته إلى واقع تنفيذي، وأن بنك الخرطوم نجح في أن يكون أول المنفذين، والتحدي الآن أمام بقية المصارف، إذ يجب ألا تكون التجربة امتيازاً لمصرف بعينه، بل نموذجاً قابلاً للتعميم تدخل فيه بقية المصارف منافسة حقيقية على خطوط الائتمان الخارجية. وفي هذا السياق تكتسب اللقاءات المصرفية السودانية–السعودية وما يماثلها، أهميتها بوصفها جسراً لإعادة بناء شبكة العلاقات المصرفية الخارجية .

Exit mobile version