بين الإيديولوجيا والوعي: تفكيك خطاب التشهير السياسي في الإعلام السوداني
Mazin
_قراءة في مفهوم الإيديولوجيا في ضوء ماركس وغرامشي وألتوسير_ بقلم :امير الزين نورالدائم الولايات المتحدة الأمريكية ~ أيوا مدخل في النقاشات السياسية السودانية المعاصرة، أصبحت كلمة *“الإيديولوجيا”* تُستخدم في كثير من الأحيان بوصفها تهمة جاهزة أكثر من كونها مفهوماً تحليلياً. فعندما يتمسك الحزب الشيوعي السوداني بموقف سياسي أو نقدي واضح، يُقال إن المشكلة ليست في مضمون موقفه، بل في “إيديولوجيته” التي تمنعه من رؤية الواقع. غير أن هذا الاستخدام الشائع للمصطلح لا يعكس سوى تبسيط شديد لمفهوم مركزي في الفكر الاجتماعي.
مقدمة تُعد الإيديولوجيا من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث. فقد ظهر المصطلح لأول مرة عند المفكر الفرنسي *أنطوان دي ترايسي* في أواخر القرن الثامن عشر، حيث استخدمه للدلالة على “*علم الأفكار*”. غير أن تطور الفكر الاجتماعي، خصوصاً منذ القرن التاسع عشر، حوّل الإيديولوجيا من مجرد دراسة للأفكار إلى مفهوم نقدي يفسر العلاقة بين *الأفكار والسلطة والبنية الاجتماعية.
ورغم شيوع استخدام هذا المصطلح في الخطاب السياسي والإعلامي، إلا أنه غالباً ما يُستعمل بصورة *تبسيطية أو مشوهة*، بحيث يصبح مرادفاً للجمود الفكري أو التعصب السياسي. غير أن تاريخ الفكر الاجتماعي، خصوصاً في أعمال *ماركس وغرامشي وألتوسير*، يكشف أن الإيديولوجيا مفهوم أكثر تعقيداً بكثير من هذا الاستخدام السطحي.
الثقافة والإيديولوجيا يصعب الفصل الكامل بين الإيديولوجيا والثقافة. فالثقافة، في معناها الأنثروبولوجي، هي مجموع العادات والتقاليد والرموز وأنماط العيش التي تميز مجتمعاً معيناً. أما الإيديولوجيا فتميل إلى أن تكون *نظاماً من الأفكار المرتبطة بالمصالح الاجتماعية والسياسية لجماعة معينة*.
وبهذا المعنى يمكن القول إن الثقافة تمثل *الإطار الأوسع* الذي تتشكل داخله الإيديولوجيات المختلفة، بينما تمثل الإيديولوجيا تفسيراً *موجهاً للعالم* يخدم مصالح اجتماعية محددة.
الإيديولوجيا والوعي الاجتماعي في الفكر الماركسي، لا تُفهم الإيديولوجيا بوصفها مجرد أفكار خاطئة، بل بوصفها *جزءاً من الطريقة التي يدرك بها الناس واقعهم الاجتماعي*. فقد أشار ماركس إلى أن الوعي الإنساني لا يتشكل في الفراغ، بل يتحدد بالظروف المادية والاجتماعية التي يعيش فيها الأفراد.
وفي كثير من الأحيان تعمل الإيديولوجيا كنوع من الوعي الزائف الذي يخفي علاقات الاستغلال في المجتمع. ففي النظام الرأسمالي مثلاً تبدو العلاقة بين العامل وصاحب العمل وكأنها علاقة تعاقد حر، بينما يخفي هذا المظهر علاقة اقتصادية تقوم على انتزاع *فائض القيمة من عمل العامل.
لكن الإيديولوجيا ليست مجرد أداة للتزييف؛ إذ يمكن أن تتحول أيضاً إلى أداة مقاومة عندما تعبر عن وعي اجتماعي يسعى إلى تغيير علاقات القوة القائمة.
الإيديولوجيا عند ماركس وغرامشي وألتوسير رغم انتماء ماركس وغرامشي وألتوسير إلى التقليد الماركسي، فإن تصورهم للإيديولوجيا يختلف في نقاط أساسية.
عند ماركس تظهر الإيديولوجيا أساساً بوصفها شكلاً من الوعي الزائف الذي يعكس علاقات الإنتاج في المجتمع لكنه يخفي طبيعتها الحقيقية.
أما عند أنطونيو غرامشي فقد توسع المفهوم ليشمل فكرة *الهيمنة الثقافية*، حيث تحافظ الطبقات المسيطرة على سلطتها ليس فقط عبر القوة، بل أيضاً عبر نشر رؤيتها للعالم حتى تتحول إلى ما يشبه “الحس المشترك” لدى المجتمع.
بينما يرى لويس ألتوسير أن الإيديولوجيا ليست مجرد أفكار في الوعي، بل بنية مادية تعمل عبر مؤسسات المجتمع مثل المدرسة والإعلام والأسرة والدين. هذه المؤسسات تقوم بما سماه ألتوسير “استدعاء الأفراد*” وتحويلهم إلى ذوات اجتماعية مندمجة في النظام القائم.
وبذلك ننتقل من فهم الإيديولوجيا عند ماركس كوعي زائف، إلى فهمها عند غرامشي كأداة للهيمنة الثقافية، ثم إلى تصور ألتوسير الذي يرى فيها *نظاماً مؤسسياً يعيد إنتاج المجتمع نفسه*.
الإيديولوجيا في الجدل الإعلامي
رغم هذا العمق النظري للمفهوم، فإن استخدامه في الخطاب الإعلامي غالباً ما يكون بعيداً عن هذا المعنى. ففي بعض الحوارات الإعلامية، مثل الحلقة التي قدمها عزام كمال حول “موقف الحزب الشيوعي من تصنيف الكيزان”، يُستخدم مصطلح الإيديولوجيا بوصفه *اتهاماً سياسياً جاهزاً* أكثر من كونه مفهوماً تحليلياً.
بدلاً من مناقشة المواقف السياسية في سياقها الموضوعي، يجري اختزال النقاش في ثنائيات تبسيطية، مثل القول إن الحزب الشيوعي محاصر بين خيارين: إما تأييد قرار الإدارة الأمريكية أو الاعتراف بأن مواقفه الإيديولوجية تمنعه من التعامل مع الواقع.
هذا النوع من الجدل و طريقة طرح الأسئلة في مثل هذه الحوارات تكشف عن اعتماد عدد من *المغالطات المنطقية الشائعة في الجدل السياسي*. أول هذه المغالطات هي مغالطة *الخيار الزائف (False Dilemma)، حيث يُصوَّر الموقف وكأن أمام الحزب خيارين فقط: إما تأييد قرار الإدارة الأمريكية، أو الاعتراف بأن مواقفه الإيديولوجية تمنعه من التعامل مع الواقع. في حين أن الواقع السياسي أكثر تعقيداً، إذ يمكن لأي حزب أن يعارض جماعة سياسية محلية وفي الوقت نفسه ينتقد الدوافع أو السياقات الدولية التي يصدر فيها قرار ما.
المغالطة الثانية هي مغالطة رجل القش (Straw Man)،* حيث يجري تبسيط موقف الحزب الشيوعي واختزاله في صورة كاريكاتورية — وكأنه مجرد رفض تلقائي لكل ما يصدر عن الولايات المتحدة — ثم مهاجمة هذا التصور المبسط بدلاً من مناقشة الموقف الحقيقي.
أما الحجة التي تقول إن الشيوعيين ينتقدون الإمبريالية لكن بعضهم يعيش في دول غربية فهي مثال على *مغالطة الطعن الشخصي (Ad Hominem)*، لأنها تستبدل النقاش حول الأفكار والبنى السياسية بمحاولة التشكيك في مصداقية الأشخاص. فانتقاد نظام عالمي لا يعني بالضرورة الامتناع عن العيش داخله، كما أن ملايين المعارضين للرأسمالية يعيشون داخلها لأنها ببساطة النظام العالمي السائد.
والواقع أن النقد الماركسي للرأسمالية، منذ ماركس نفسه الذي عاش وكتب في لندن، لم يكن موجهاً ضد الأفراد الذين يعيشون داخل هذه المجتمعات، بل ضد *البنية الاقتصادية والسياسية للنظام الرأسمالي العالمي.*
الإعلام وصناعة “الحس المشترك” لفهم الدور الذي تلعبه بعض المنصات الإعلامية في هذا السياق، يصبح من المفيد العودة إلى مفهوم *الهيمنة الثقافية* عند أنطونيو غرامشي. فغرامشي لم يرَ أن السيطرة السياسية تُفرض فقط عبر القوة المباشرة، بل أيضاً عبر قدرة الطبقات المهيمنة على *تشكيل ما يبدو للناس وكأنه “الحس المشترك” الطبيعي*.
في هذا الإطار، لا يكون دور الإعلام مجرد نقل المعلومات أو إدارة النقاشات العامة، بل يصبح جزءاً من عملية إنتاج المعنى السياسي نفسه*. فعندما تتكرر في الخطاب الإعلامي مفاهيم مثل “الواقعية” و“التوافق” مقابل “الإيديولوجيا”، فإنها لا تعمل فقط كأوصاف محايدة، بل تساهم تدريجياً في تشكيل تصور عام يرى أن المواقف المبدئية ليست سوى نوع من التعنت الفكري.
الإيديولوجيا والتوافق الوطني في الخطاب السياسي السوداني في السياق السوداني الراهن، ارتبط هذا الاستخدام لمفهوم الإيديولوجيا بخطاب آخر شائع، هو القول إن بعض الأحزاب — وعلى رأسها الحزب الشيوعي — تعطل “*التوافق الوطني*” بسبب تمسكها بمواقف إيديولوجية.
غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية في السياسة، وهي أن التوافق ليس قيمة مجردة أو هدفاً قائماً بذاته، بل نتيجة لتوازنات سياسية ورؤى مختلفة حول طبيعة الدولة والمجتمع. فالتوافق الذي يتجاهل جذور الأزمات أو يتجاوز مطالب التغيير الجذري قد يتحول إلى *تسوية فوقية* تعيد إنتاج نفس البنية السياسية التي أدت إلى الأزمة.
ومن هنا فإن تصوير المواقف السياسية المبدئية بوصفها مجرد “تعنت إيديولوجي” لا يعكس تحليلاً موضوعياً للصراع السياسي، بل يعبر في كثير من الأحيان عن *محاولة لنزع الشرعية عن المواقف النقدية* التي ترفض التسويات السطحية.
الخلاصة الإيديولوجيا ليست مجرد شعارات أو أفكار جامدة، بل هي جزء من البنية الفكرية التي يتشكل داخلها الوعي الاجتماعي. فهمها في ضوء تحليلات ماركس وغرامشي وألتوسير يكشف أنها قد تكون أداة للهيمنة، لكنها قد تكون أيضاً أداة لفهم الواقع وتغييره.
ولهذا فإن النقاش الجاد حول السياسة لا ينبغي أن ينطلق من إنكار الإيديولوجيا أو شيطنتها*، بل من تحليلها وكشف علاقتها بالبنى الاجتماعية والاقتصادية التي تنتجها. فالمشكلة ليست في وجود الإيديولوجيا، بل في استخدامها لتبسيط الواقع أو لتغبيش الوعي العام* بدلاً من فهمه.
غير أن المفارقة في كثير من النقاشات السياسية المعاصرة هي أن الذين يعلنون رفضهم للإيديولوجيا يفعلون ذلك باسم *إيديولوجيا أخرى غير معلنة تقدم نفسها بوصفها الواقعية أو العقلانية الوحيدة الممكنة. ولهذا فإن التحدي الحقيقي في النقاش السياسي ليس الهروب من الإيديولوجيا، بل كشفها وفهمها.
وفي نهاية المطاف، لا تُختزل السياسة في الاختيار بين “الإيديولوجيا” و“الواقعية”، بل في القدرة على التفكير النقدي في الأفكار التي تشكل وعينا بالعالم.