بنك الخرطوم يعلن عن إطلاق برنامج «التمويل الذكي» لتمويل اعادة إعمار المنازل
Mazin
الخرطوم : انتصار فضل الله
في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، حيث تتقاطع آثار الحرب مع ضغوط الاقتصاد وتحديات المعيشة اليومية، يبرز سؤال ملح: كيف يمكن للأسر أن تستعيد استقرارها وتعيد بناء حياتها بأقل الخسائر الممكنة؟ في هذا السياق، تتقدم مبادرات التمويل كأحد أهم أدوات التعافي، لا بوصفها حلولاً مالية فحسب، بل كآليات لإعادة تشكيل الحياة من داخل المنازل. ومن هنا، يبرز برنامج “التمويل الذكي” كمحاولة عملية لردم فجوة متزايدة بين الحاجة والقدرة.
أعلن بنك الخرطوم، عبر ذراعه المتخصصة في التمويل الأصغر “إرادة”، عن إطلاق برنامج نوعي تحت مسمى “التمويل الذكي”،
وتفيد متابعات ” ايلاف” أن البرنامج يستهدف دعم الأسر السودانية المتضررة جزئياً، وتمكينها من إعادة إعمار منازلها واستعادة مقومات الحياة الأساسية في أقصر وقت ممكن.
ويمثل البرنامج نموذجاً متكاملاً للتمويل الاجتماعي، إذ لا يقتصر على فئة بعينها، بل يشمل الأفراد ومنسوبي المؤسسات العامة والخاصة، مع تركيز واضح على إعادة الاستقرار داخل المنازل، باعتبارها نقطة الانطلاق لأي تعافٍ اقتصادي أو اجتماعي.
تحت مظلة المركزي..
التمويل الأصغر في قلب سياسات التعافي
لا تنفصل هذه المبادرة عن السياق الأوسع للسياسات النقدية، حيث تتسق بشكل مباشر مع توجيهات بنك السودان المركزي، الذي شدد في سياساته الأخيرة على أهمية توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية ومشروعات إعادة الإعمار، باعتبارها مدخلاً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والحد من الضغوط التضخمية.
كما أتاح البنك المركزي تمويل مشروعات إعادة الإعمار والصيانة والتشييد العقاري ضمن ضوابط محددة، في اعتراف واضح بحجم الأضرار التي طالت البنية السكنية والخدمية، وحاجة البلاد إلى أدوات تمويل مرنة وسريعة الاستجابة.
مسارات تمويل متعددة.. من الأثاث إلى الطاقة الشمسية
تقول معلومات صادرة من البنك ل”ايلاف” : يعتمد “التمويل الذكي” على حزمة متنوعة من مسارات التمويل التي تستجيب للاحتياجات الفعلية للأسر، حيث تشمل الأثاث المنزلي، والأجهزة الإلكترونية، ومواد البناء، إلى جانب حلول الطاقة الشمسية، في خطوة تعكس وعياً بالتحديات الخدمية، وعلى رأسها أزمة الكهرباء.
ولا يقتصر الهدف على توفير الاحتياجات الأساسية، بل يتجاوز ذلك إلى تمكين الأسر من إعادة تشغيل منازلها بشكل متكامل، بما يحد من الاعتماد على حلول جزئية قد تؤخر الاستقرار. ويُنظر إلى إدماج الطاقة الشمسية كخيار تمويلي باعتباره توجهاً نحو حلول مستدامة، تقلل الضغط على البنية التحتية التقليدية وتفتح آفاقاً جديدة للاعتماد الذاتي.
إجراءات مبسطة وسداد مرن في بيئة ضاغطة
واشارت المعلومات أن من أبرز ملامح البرنامج تبسيط الإجراءات وتسريع الموافقات، وهو عامل حاسم في ظل أوضاع تتطلب استجابات فورية. كما يتيح فترة سداد مرنة تصل إلى 36 شهراً، ما يمنح المستفيدين فرصة لإعادة ترتيب أوضاعهم المالية تدريجياً.
ويتم تنفيذ التمويل عبر شبكة من الموردين المعتمدين، بما يضمن جودة المنتجات والخدمات، ويقلل من مخاطر السوق غير المنظم، وهو ما يعزز ثقة المستفيدين في البرنامج.
آليات التمويل.. توازن بين المرونة والانضباط
وبحسب معلومات خاصة، أوضح مصدر مسؤول في بنك الخرطوم – فضل حجب اسمه – أن شركة “إرادة” تعمل وفق منظومة التمويل الأصغر المعتمدة، حيث تختلف سقوفات التمويل من قطاع لآخر، ويتم تحديدها بواسطة البنك المركزي.
وأشار إلى أن التنفيذ يتم عبر صيغة “الأمر بالشراء”، حيث تقوم الشركة بامتلاك السلعة ومن ثم بيعها للمستفيد عبر صيغ تمويلية متعددة، أبرزها المرابحة والمقاولة والمشاركة، مع هيمنة واضحة لصيغة المرابحة باعتبارها الأكثر استخداماً.
وفيما تتراوح نسب السداد بين 25% إلى 36%، تظل الضمانات شرطاً أساسياً لا يمكن تجاوزه، وتشمل الضامن الغارم، والرهن، إلى جانب ضمانات معززة مثل وثائق التأمين، بما يعكس سعي المؤسسة لتحقيق توازن بين التوسع في التمويل وتقليل المخاطر.
الفئات المستهدفة.. تمكين القاعدة الاقتصادية
يقول ذات المصدر ل”ايلاف” : يستهدف البرنامج شريحة “الفقراء النشطين اقتصادياً”، وهي فئة تمثل العمود الفقري للاقتصاد غير الرسمي، وتشمل الأفراد، والشراكات الثنائية، والمجموعات التضامنية التي قد تصل إلى 10 أشخاص، إضافة إلى الجمعيات التعاونية ومجموعات الإنتاج الزراعي والحيواني. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن التعافي الحقيقي يبدأ من القاعدة، عبر تمكين الأفراد من تحسين ظروفهم المعيشية وتعزيز قدرتهم على الإنتاج، وليس فقط الاستهلاك.
بين الطموح والواقع.. اختبار حقيقي للمبادرة
ورغم ما يحمله البرنامج من وعود، فإن نجاحه وفقا لخبراء في قطاع المصارف يظل مرهوناً بعدة عوامل، في مقدمتها استقرار البيئة الاقتصادية، وقدرة المستفيدين على الالتزام بالسداد، إلى جانب كفاءة التنفيذ ومتابعة جودة الخدمات.ومع ذلك، فإن “التمويل الذكي” يمثل تحولاً لافتاً في دور القطاع المصرفي في السودان، من مجرد جهة تمويل تقليدية إلى شريك في إعادة الإعمار والتعافي المجتمعي.
في المحصلة، لا تبدو هذه المبادرة مجرد منتج مصرفي جديد، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين البنوك والمجتمع في زمن الأزمات… فإما أن تتحول إلى نقطة تحول حقيقية في حياة الأسر السودانية، أو تبقى خطوة مهمة في طريق طويل نحو التعافي.