تبقى الأطروحات العلمية والرسائل الأكاديمية في شكلها التقليدي جزر معرفية معزولة … تكتب بلغة علمية و معملية جادة وجافة ، وتُحكَم بصرامة منهجية تصعب على القارئ العام فهمها و تنزيل معانيها لواقع حياته اليومية _ وهذا ما يجعل كثير منها رهين لرفوف قد يطويها النسيان .
وفي سياق راهننا الثقافي العربي المواجه بتحديات السيولة المعرفية والسطحية الرقمية _ يبرز تحويل هذه الدراسات إلى كتب ثقافية رصينة كضرورة إستراتيجية لتجسير الفجوة بين النخبة والمجتمع _ ليتم من بعد ذلك ضخ هذه المعرفة الحبيسة في شرايين الحياة العامة ، لينتقل الباحث من رتبة الموظف الأكاديمي إلى فضاء المثقف العضوي المؤثر الذي يتقاطع و ينشغل مع قضايا أمته ويساهم في توجيه وعيها الجمعي .
هذه القناعة لم تكن في يوم من الأيام ترف نظري بالنسبة لي بل هي جوهر تجربتي الشخصية في الحقل الثقافي والمعرفي من جهة ودراستي الأكاديمية من جهة اخرى _ لأنني أؤمن بأن القيمة الحقيقية للبحث العلمي لا تكتمل إلا حين يتخلص من تعبيره الجاد وحرصه التوثيقي المعقد ليصاغ بلغة حية ورشيقة تنسجم وتلتقي مع قضايا الهوية وتحديات المجتمع الثقافية و المجتمعية_ وشكل هذا التوجه ضابط أوجه به جهودي ومقالاتي لتقرأ ضمن سياقات التنوير العام لتصبح قادرة على ملامسة وجدان القارئ العادي وإثراء معارفه .
وفي هذا الأفق الرامي لربط التحصيل الأكاديمي بالواقع تبرز مبادرة بذور المعرفة التي أطلقتها وزارة الثقافة في دولة قطر عبر الملتقى القطري للمؤلفين ، لتمثل نموذج مؤسسي رائد في تحويل المنجز البحثي إلى أثر معرفي مستدام _ لا تتوقف هذه المبادرة عند حدود الدعم النظري أو الاحتفاء العابر ، بل تقدم رحلة متكاملة ورؤية واعية تبدأ من لحظة التقديم للمشروع ، مروراََ بالنشر والتدشين ، ووصولاََ إلى التسويق الثقافي الذكي الذي يضمن وصول الكتاب إلى يد القارئ المستهدف .
وبدا لي وانا اشهد إطلاق هذه المبادرة ضمن فعاليات معرض الدوحة للكتاب في نسخته ال ٣٥ ، بدا لي ان عبقرية مشروع بذور المعرفة تكمن في إعداده المتكامل الذي يستهدف تطوير مقدرات ومهارات المؤلف وتزويده بأدوات التحويل الصياغي التي تضمن إستمراريته في الإنتاج المعرفي والإبداعي _ ومن خلال هذه الدورة المنهجية المنضبطة_ ليمضي هذا المشروع بجدارة إلى التأسيس لمحتوى ثقافي ثري ومستدام وبناء جيل جديد من المؤلفين القادرين على قيادة الفكر وحفظ التراث والهوية ، وتحويل الجامعات والمعاهد المراكز العلمية من منصات لمنح الشهادات فحسب إلى حاضنات حقيقية تغذي المشهد الثقافي بمنجز إنساني رفيع يتجاوز حدود الزمن .
اختم بالتأكيد بأن الانتقال بالبحث الأكاديمي من صيغته المعملية الصارمة إلى فضائه الثقافي الرحب ، عبر مشاريع ممتدة كمبادرة مشروع بذور المعرفة _ هذا الانتقال يمثل حجر الأساس في بناء نهضة فكرية عربية حقيقية بالانطلاق من دولة قطر لعموم عالمنا العربي ، وهاهو النداء ينطلق مجدداََ بكامل الوعي والعمق من دوحة العرب بدعوة جادة لإعادة الاعتبار للكلمة المكتوبة وتأصيل دور المؤلف في صناعة الوعي … فالمعرفة التي لا تتحول إلى تيار يتدفق في فكر المجتمع تظل معرفة ناقصة الجدوى .
ومن هنا يصبح الرهان الحقيقي متوقف على مدى قدرتنا على تعميم هذه التجارب المؤسسية ، واستزراع تلك البذور في بيئاتنا الثقافية كافة لتورق عقول واعية وأجيال من المفكرين القادرين على صون الهوية ومواجهة تحولات العصر بثبات ورسوخ .