انقلاب جعفر محمد نميري: الفيل في غرفة القوى المدنية الديمقراطية
Mazin
عبدالله علي ابراهيم
ملخص ليس من عبارة استهلكها الخطاب السياسي مثل “مخاطبة جذور المسألة”. وبدا أن القوى المدنية الديمقراطية، بتعطيلها قاطرة الأزمة السودانية عند محطة انقلاب الإسلاميين، لا تجد الشجاعة في نفسها لترى نواة أزمتها، قبل أزمة البلاد، في انقلاب نميري. وهو الذي جاءته واحدة بعد الأخرى تأتمنه مشروعات عمرها طائعة مختارة فأساء إليها عن بكرة أبيها. فعاشت فيناً بعد خسارتها فيها قصراً مشيداً وبئراً معطلة. وإضرابها عن ذكر انقلاب نميري ودولته على لسانها في معرض مخاطبة جذور أزمتها مما تسميه الأعاجم “الفيل في الغرفة”.
إذا كان بدء التاريخ البغيض لقوات “الدعم السريع” هو أول يناير (كانون الثاني) 1956، يوم حصول السودان على استقلاله وركوب الصفوة العربية الإسلامية النيلية صهوة الحكم، فإن التاريخ البغيض للجماعات التي تشكلت منها “قوى الحرية والتغيير” (قحت)، خلال حراك ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، هو الـ30 من يونيو (حزيران) 1989 حين انقلب الإسلاميون على الحكم وأقاموا “نظام الإنقاذ” فينا حتى أبريل (نيسان) 2019. وتصطاد “قحت” عصفورين بحجر واحد بتعيين “انقلاب الإنقاذ” يوماً لكريهتهم. أما العصفور الأول فهو الاستفراد بدور الضحية وميزاته لا تحت “الإنقاذ” حاكمة فحسب، بل ومخربة حتى بعد سقوطها بثورتهم في ديسمبر 2018. أما العصفور الثاني فهو التستر على أدوارهم جماعة وتباعاً في نظام لانقلاب آخر هو انقلاب البكباشي جعفر محمد نميري في الـ25 من مايو (أيار) 1969 الذي مرت ذكراه الـ57 قبل أسبوعين أو نحوه. ولو كانت العافية السياسية مقصد “قحت” (سنجملهم هكذا اقتصاراً) لكان انقلاب الـ25 من مايو هو ما ينبغي أن يكون نصب عينيها. فهو الانقلاب الذي أخلى يدها جميعاً واحدة بعد الأخرى من مشروعاتها لتبقى قصوراً مشيدة جفت بئرها. فلم يبق النظام حجراً على حجر من مشروعات “قحت” خلال الـ17 عاماً التي خيم فيها على البلاد. فاستنفدها جميعاً ويقول هل من مزيد؟ بدأ يسارياً ذا زبد يحتفل بميلاد لينين المئوي حتى تفاصل مع اليسار دموياً بعد انقلابهم في الـ19 من يوليو (تموز) 1971. ثم ركبه القوميون العرب بعدهم فقيلوا فيه هوناً وتلاشوا بعد عام 1973 كما سنرى. واعتلى النظام بعدهم التكنوقراط مهنياً، والمستقلون سياسياً كما عرفوا في السياسة الطلابية، من زكوا أنفسهم طويلاً بأنهم لا إلى هؤلاء، اليمين، ولا إلى هؤلاء، اليسار. وبلغ من إهانة النظام لهم أن سمى منصور خالد رأسه وهو نميري بـ”البلطجي” لمسؤوليته الشخصية عما حدث لثورته، أي انقلابه، بعد طهر باكر بتنكره للمبادئ التي نهض من أجلها فخان بذاك أمانة جيل ومطامح أجيال، الجيل الذي كتب عليه، في قوله، أن يبني السودان. ثم تدارك النظام الإسلاميين وهو في السكرات بعد مصالحته معهم في عام 1977. وخرج عليهم بليل ومن وراء ظهرهم، وبلا شورى معهم، خليفة على “الدولة الإسلامية” التي أودعوا طلابها عمراً وكدحاً وتقوى. وقبلوا بنميري خليفة بالبيعة صاغرين، فهانوا في أعين الناس. وقضى من جانب آخر وقبل أربعة أشهر من اقتلاعه من الحكم على الفكرة الجمهورية بقتل أستاذها محمود محمد طه من ظن أن ديكتاتوراً مثل نميري، لا الديمقراطية، من يرعى عهد دعوته إلى الظهور الثاني للإسلام. وأبطل نميري من الجهة الأخرى السياسة المدنية في جنوب السودان وعطلها إلى الأبد بخرقه للاتفاق الذي عقده مع صفوتهم في عام 1972، ليتحلل منه من جانب واحد في عام 1983. انتحر نظام نميري بالمشروع السياسي للصفوة كحامل للحلم بالتغيير مهما كان الرأي فيه. ولم تقل أي من هذه الجماعات “أحيا يا العافية” (كما نقول لمن انتحب الدهر بعد الزعزعة التي حدثت له) بعد دمدمة نظام مايو عليها. وأكثر إفراغ نظام نميري لقوى “قحت” وغير “قحت” من مشروعاتها مما سارت به الركبان. وسنكتفي هنا بجوانب من زعازع نميري على “قحت” وغيرها التي لم نسلط الضوء عليها بالقدر اللازم. ونعرض ليوم استنفد نميري مشروعات كل من القوميين العرب والحركة القومية الجنوبية ولجانب من مشروع لليسار وسط حركة الطلاب، غير معروف، ورمى لهم بـ”الفاضي” وهي عبارة السودانيين لمن تكرع الفائدة منك وأعاد الزجاجة الفارغة لك. للقوميين العرب أدوار كبرى في انقلاب مايو، بل لربما ولد من رحمهم هم لا من رحم الشيوعيين، إلا أن خصومة الأخيرين أربح بيعاً. فسادوا بين قيام الانقلاب حتى نحو عام 1973 بسقوط القانون المدني العام لعام 1971. وهو القانون الذي جاء به بابكر عوض الله، الناصري عضو مجلس انقلاب مايو ورئيس الوزراء في أول عهده، عن عقيدته في القومية العربية ودعوته لتشريع قانون مدني مستمد من القانون المصري. فتكونت لجنة إصلاح قانوني عام 1971 لتتوافر على كتابة قانون عربي اشتراكي ليحل محل إرثنا القانوني الاستعماري. وولد القانون المدني لعام 1971. ولكنه لم يلبث فينا إلا قليلاً حتى اعتورته سهام ورثة القانون العام لأن من كتبه قانونيون مصريون عجلى، وعابوا عليه الهرج الذي ترتب على إدارة العدالة بأثره. وفقد القانون أرضيته السياسة بخمول دور القوميين العرب في الدولة بين عامي 1972 و1973. ونجح أهل القانون العام وعلى رأسهم الدكتور زكي مصطفى، النائب العام عام 1973، إلى إحالته إلى الاستيداع واسترجاع القانون السوداني المستمد من القانون الإنجليزي بحذافيره. وقال زكي إن تلاشي القانون المدني درس بليغ لمن ظن أن بالوسع أن ترمي تقليداً قانونياً بكلياته إلى قارعة الطريق لأنه مما جاءت به سلطة استعمارية في يوم ما. وسخر من مثلهم لأنهم ما زادوا في دعوتهم للتخلص من قانون استعماري من استيراد قانون استعماري بديل، هو القانون المصري الذي نشأ في حضن الخديوية الإقطاعية التي حكمت السودان وروجوا له مع ذلك بأنه قانون اشتراكي. فألغى نميري القانون وسلم القوميين العرب “الفاضي”. وجاء يوم القوميين الجنوبيين مع دولة مايو في يونيو 1983. وكانوا تعاقدوا باتفاق عام 1972 على الحكم الذاتي لإقليمهم. ونجحوا لعقدٍ من الزمان في قيام حكومة إقليمية تمتعت بقدر لا بأس به من الديمقراطية، مما جعلها “جزيرة في محيط ديكتاتوري”. وكان ذلك ما غلط على نميري دائماً ولم يتوقف عن الشغب في وجهه. ثم جاءت السانحة بمصالحته مع أحزاب الأمة والإسلاميين عام 1977 وهي التي لم يرق لها اتفاق أديس أبابا مطلقاً لأنه قوَّى نظام مايو عليهم. ومن فوق حلفه الجديد جرؤ نميري على إلغاء الاتفاق عام 1983. وبينما حمَّل جنوبيون نميري كل وزر فض الاتفاق من جانب واحد لم يلج بعضهم عن تحمل حصته من تهافت الاتفاق. فكتب الصحافي والوزير بونا ملوال في “الشعب والشوكة في السودان” (1981) بأن السودان في حاجة إلى حل سياسي لم يعد بوسع جيله من السياسيين اجتراحه لأنهم سمحوا لنميري باستغفالهم فنزع عنهم احترام الجنوبي العادي الذي صار عنده كل سياسي فاسد وسباق إلى المناصب. وهذا ما حدا بـ”دوغلاس جونسون”، المتخصص بتاريخ جنوب السودان، للقول بأن فساد الساسة الجنوبيين المدنيين هو أصل كبير في اتباع شبابهم خطة حرب التحرير في مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان (جون قرنق). فهي حرب في مواجهة الشمال بالطبع. ولكنها موجهة نحو ساسة الجنوب الذين اكتسبوا هذه الصور السلبية عند جمهرة الجنوبيين في قول ملوال. وهكذا استثمر نميري في حلف القوميين الجنوبيين لعقد ورمى لهم بالفاضي.
ونأتي في الجزء الثاني إلى يوم باع اليساريون وحلفهم التمثيل النسبي برخصة لانقلاب نميري.