ليست وحدة الاتحاديين فكرة جديدة ولاهي أمنية طارئة فرضتها ظروف السياسة الراهنة فقد عرف التيار الاتحادي في السودان تجربة الوحدة مرتين وكانت كل واحدة منهما تحمل درسا سياسيا بالغ الدلالة
كانت التجربة الاولى في عام 1952 عندما توحدت الفصائل والقوى الاتحادية في كيان واحد حمل اسم الحزب الوطني الاتحادي وكانت تلك الوحدة ناجحة في أول اختبار انتخابي لها إذ حقق الحزب أغلبية كبيرة في انتخابات 1953 ومكنته تلك النتيجة من تشكيل اول حكومة وطنية برئاسة الزعيم إسماعيل الأزهري
غير أن نجاح الوحدة لم يمنع الانقسام فبعد الاستقلال خرج التيار المرتبط بالختمية من الحزب الوطني الاتحادي وتأسس حزب الشعب الديمقراطي عام 1956 فعادت الساحة الاتحادية إلى حالة الانقسام من جديد
ثم جاءت التجربة الثانية والأكثر رسوخا في عام 1967 عندما توحد الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي وتشكل الحزب الاتحادي الديمقراطي وكانت هذه الوحدة ايضا ناجحة في أول اختبار انتخابي ففي انتخابات 1968 حقق الحزب فوزا كبيرا وحصل على 101 مقعد من أصل 218 مقعدا في البرلمان
وهنا تكمن أهمية التاريخ حين كانت الوحدة حقيقية ومنظمة استطاعت أن تحول الجماهير الاتحادية إلى قوة سياسية مؤثرة وحين عادت الانقسامات تراجع التأثير مهما بقيت الجماهير والرمزية التاريخية
ولعل انتخابات 1986 تقدم واحداً من أوضح الاختبارات العملية فقد خاض الحزب الاتحادي الديمقراطي الانتخابات وحصل على 63 مقعدا بينما دخلت بعض التيارات الاتحادية الانتخابات بصورة منفصلة ومن بينها الحزب الوطني الاتحادي الذي لم يحقق أي مقعد
وهذه ليست مجرد أرقام انتخابية عابرة وإنما شهادة من التجربة السودانية نفسها على أن الجماهير وحدها لا تكفي والرصيد التاريخي وحدة لا يكفي والرمزية وحدها لا تكفي فالقاعدة الشعبية مهما اتسعت تحتاج إلى تنظيم ومؤسسات وخط سياسي واضح وقيادة تعرف كيف تحول التأييد الشعبي إلى فعل سياسي وانتخابي مؤثر
ومن هنا فإن الحديث عن وحدة الاتحاديين اليوم يجب ألا يكون حديثا عن جمع القيادات في قاعة أو توقيع وثيقة أو توزيع المواقع والمناصب فالوحدة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير ، إنها إعادة بناء تنظيم سياسي قادر على استيعاب الاختلاف وإدارة التباين وتجديد المؤسسات والاحتكام إلى قواعد الحزب وجماهيره
وأقول ذلك وفي النفس شيء من الإحباط لأن ما يؤلم في المشهد الاتحادي أن التاريخ يقدم لنا الدرس واضحاً ثم نصر على إعادة الأخطاء ذاتها ، لقد أثبتت التجربة أن الوحدة التي تقوم على القناعة والمشروع والتنظيم يمكن أن تصنع قوة سياسة حقيقية بينما الوحدة التي تقوم على المصالح المؤقتة سرعان ما تتحول إلى هدنة بين قيادات تنتهي عند أول خلاف
والأكثر إحباطاً أن يتوهم البعض أن الوحدة يمكن أن تشترى بالمال أو تصنع بالإغراءات أو تحسم بتوزيع المناصب
هذا وهم سياسي وتبديد للمال والجهد وليس مشروعاً للوحدة
فالمنصب لا يصنع جماهير والمال لا يصنع حزباً والإغراء لا يبني تنظيماً وإنما تصنع الوحدة قناعة مشتركة ومشروع واضح ومؤسسات محترمة وإرادة حقيقية تتجاوز الأشخاص إلى الفكرة
إن الاتحاديين لا يحتاجون إلى وحدة شكلية جديدة بقدر حاجتهم إلى وحدة مؤسسية حقيقية وحدة تعيد الاعتبار للقواعد وتفتح أبواب المشاركة وتضع معايير واضحة للقيادة وتستفيد من التاريخ دون أن تبقى أسيرة له
لقد توحد الاتحاديون مرتين ونجحت الوحدتان في أول اختبار انتخابي كبير ، ثم أفسدت الانقسامات ما تحقق وهذه الحقيقة وحدها تكفي لتقول لنا إن الطريق ليس مستحيلا ولكنه ايضاً ليس سهلاً
الوحدة ممكنة بل هي ضرورة لكن لا يمكن أن تكون وحدة مناصب ، ولا وحدة أموال ، ولا وحدة أفراد .إنها وحدة مشروع وتنظيم وجماهير ومؤسسات وما عدا ذلك ليس إلا إعادة إنتاج للأزمة في ثوب جديد