المعادن النادرة.. ورقة الصين الأقوى قبل قمة شي وترامب

قبل وصول الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن، وصلت ورقة التفاوض الصينية الأقوى قبله: المعادن النادرة.

تحليل نشرته رويترز في 21 سبتمبر يرى أن سيطرة الصين الواسعة على سلسلة إنتاج ومعالجة المعادن النادرة دفعت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى اتباع مقاربة أقل تصادمية مع بكين قبيل القمة.

المفارقة أن القضية تتعلق بمجموعة عناصر لا يعرف الجمهور أسماء معظمها، لكنها تدخل في صناعة الطائرات المقاتلة والصواريخ والرقائق الإلكترونية والسيارات الكهربائية والروبوتات ومراكز البيانات.

أين تكمن القوة الصينية؟

لا تتمثل الهيمنة الصينية في امتلاك المناجم وحدها.

وفق البيانات الواردة في تحليل رويترز، تسيطر الصين على ما يصل إلى نحو 70% من التعدين العالمي للمعادن النادرة وأكثر من 85% من عمليات المعالجة والإنتاج.

وهنا تكمن المشكلة الأمريكية.

يمكن اكتشاف منجم جديد، لكن تحويل الخام إلى مواد نقية ثم إلى مغناطيسات ومكونات صناعية يحتاج إلى منشآت وخبرة وسلاسل إنتاج تستغرق سنوات لبنائها.

ولهذا فإن المعادن النادرة أصبحت مثالاً كلاسيكياً على الفرق بين امتلاك الموارد وامتلاك سلسلة القيمة.

الإيتريوم نموذجاً

مادة الإيتريوم تقدم مثالاً مثيراً.

فهي عنصر لم يكن معروفاً خارج الدوائر الصناعية المتخصصة، لكنه أصبح فجأة ملفاً جيوسياسياً.

وتقول رويترز إن الولايات المتحدة تحتاج إليه بينما تهيمن الصين على إمداداته، كما تفعل مع مجموعة واسعة من المعادن الحرجة.

وتدخل هذه المواد في صناعات الطيران والدفاع وأشباه الموصلات والمغناطيسات القوية المستخدمة في السيارات الكهربائية والإلكترونيات.

وهكذا يمكن لقرار إداري يتعلق برخصة تصدير في بكين أن يمتد أثره إلى مصنع سيارات أو شركة دفاع في الولايات المتحدة.

من الرسوم إلى المواد الخام

خلال المراحل الأولى من الحرب التجارية الأمريكية-الصينية كانت الرسوم الجمركية السلاح الأشهر.

لكن بكين اكتشفت نقطة ضعف مختلفة.

إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع فرض رسوم على المنتجات الصينية، تستطيع الصين بدورها التحكم في المواد التي تحتاج إليها المصانع الأمريكية لإنتاج منتجاتها.

وتغير بذلك منطق الحرب التجارية.

لم يعد السؤال: من يفرض رسوماً أعلى؟

بل أصبح: من يستطيع الاستمرار في الإنتاج إذا تعطلت سلسلة التوريد؟

لماذا يتراجع هامش واشنطن؟

المشكلة بالنسبة للولايات المتحدة أن بعض الإجراءات التي يمكن استخدامها للضغط على الصين — مثل قيود التكنولوجيا أو العقوبات على الشركات — قد تستدعي رداً صينياً في المعادن.

وتقول رويترز إن هذه المعادلة ساهمت في الحد من قدرة واشنطن على ممارسة ضغوط شديدة قبيل قمة ترامب وشي.

ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة أصبحت بلا أدوات.

واشنطن تعمل على تنويع مصادر المعادن الحرجة وتشجيع التعدين المحلي وبناء سلاسل توريد مع حلفائها.

لكن هذه عملية تستغرق سنوات.

درس للدول النامية

هنا توجد زاوية مهمة جداً للسودان وأفريقيا.

القصة الصينية توضح أن القيمة الاستراتيجية للموارد الطبيعية لا تتحقق بمجرد استخراجها وتصديرها خاماً.

القوة الحقيقية توجد في المعالجة والتكرير والتصنيع.

أفريقيا تملك نسبة ضخمة من المعادن التي يحتاج إليها التحول العالمي للطاقة والتكنولوجيا، لكنها تحصل على جزء محدود من القيمة المضافة لأنها تصدر معظم الموارد في مراحل أولية.

والدرس الصيني واضح: من يسيطر على المصنع والمعمل وسلسلة التكرير يمتلك نفوذاً أكبر بكثير ممن يمتلك المنجم وحده.

القمة المقبلة

لذلك ستدخل المعادن النادرة غرفة اجتماع ترامب وشي حتى لو لم تحتل العناوين الرسمية.

والسؤال الذي سيواجه واشنطن هو كيفية الحصول على تدفق أكثر انتظاماً للمواد الاستراتيجية من الصين من دون التخلي عن أدوات الضغط التكنولوجي.

أما الصين فستحاول الاحتفاظ بأهم ورقة اقتصادية اكتشفت قيمتها خلال سنوات الحرب التجارية.

الخلاصة: القرن الحادي والعشرون يعيد تعريف مفهوم السلاح الاستراتيجي. لم تعد القوة فقط في النفط أو الأساطيل أو الصواريخ؛ يمكن لمعدن مجهول الاسم داخل هاتف أو طائرة أن يصبح أداة من أدوات القوة بين الدولتين الأكبر اقتصاداً في العالم.

Exit mobile version