العودة الطوعية على الأقدام!

مهند عوض محمود

تدعو الحكومة السودانيين في دول اللجوء والمهاجر إلى العودة إلى بلادهم، ونثمن بشدة تبني السيد رئيس مجلس الوزراء لملف العودة الطوعية وتوجيهاته بتذليل العقبات أمام العائدين. لكن نجاح العودة لا يقاس بعدد الأسر التي تعبر الحدود وتصل إلى الخرطوم ومدن السودان الأخرى، وإنما بالسؤال الأهم: ماذا يجد المواطن بعد أن يعود؟

ومن يتجول اليوم في شوارع الخرطوم وبعض المدن التي عاد إليها المواطنون سيكتشف أزمة ربما لا تظهر بحجمها الحقيقي في التقارير الرسمية: المواصلات أصبحت جزءاً من معاناة العودة نفسها.

الحرب لم تدمر المنازل والمصانع وشبكات الكهرباء والمياه فقط، بل قضت على جزء كبير من وسائل النقل العام التي كانت تحرك المدن. اختفى جانب كبير من التاكسي الأصفر الذي كان أحد ملامح الخرطوم، وتناقصت بصورة كبيرة الحافلات والهايس والميني باص وغيرها من وسائل النقل التي كان يعتمد عليها المواطنون يومياً.

والنتيجة يراها الناس كل صباح: طلاب يقطعون مسافات سيراً على الأقدام أو يركبون «فضل الظهر» للوصول إلى مدارسهم، وموظفون وعمال ينتظرون طويلاً وسيلة تقلهم، وأسر عادت إلى مدنها لتكتشف أن مجرد الحركة داخل المدينة أصبحت معاناة يومية.. فهل يمكن أن ندعو الناس للعودة، ثم نتركهم يبحثون عن وسيلة يتحركون بها؟

بعض المشكلات لا يمكن فهمها بالكامل من داخل المكاتب، وأزمة المواصلات تحديداً يصعب الإحساس بها من خلف زجاج السيارات الحكومية. من يريد أن يعرف الحقيقة فليقف صباحاً أمام مدرسة، أو في موقف للمواصلات، أو أمام مستشفى؛ فالشارع يقدم أحياناً تقريراً أدق من التقارير الرسمية.. ومن هنا نوجه مناشدة مباشرة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء والسيد وزير المالية لاتخاذ قرار استثنائي يسمح باستيراد وسائل النقل العام المستعملة بإعفاء جمركي مؤقت، وفق مواصفات فنية وضوابط واضحة.

لسنا نتحدث عن السيارات الخاصة أو الفارهة، وإنما عن البصات والحافلات والميني باص والهايس والتاكسي وغيرها من المركبات التي تدخل مباشرة إلى خدمة النقل العام.

ولا ينبغي النظر إلى الإعفاء باعتباره مجرد إيرادات تفقدها الخزانة. فإدخال وسائل نقل جديدة يعني زيادة المعروض، وتخفيف الضغط على المواصلات، وإعادة السائقين إلى العمل، وتسهيل وصول الطلاب والعمال والموظفين إلى وجهاتهم.. فليست كل جمارك يتم التنازل عنها خسارة، وليست كل جمارك يتم تحصيلها مكسباً للاقتصاد.

لكن الإعفاء وحده لا يكفي. فالعائد من دول اللجوء الذي فقد عمله وممتلكاته خلال الحرب لن يستطيع في الغالب شراء حافلة أو تاكسي حتى بعد إعفائه من الجمارك.. لذلك يجب على الحكومة وبنك السودان المركزي توجيه المصارف لتخصيص جزء مقدر من محافظ التمويل الأصغر لتمويل شراء وسائل النقل العام، بأقساط وآجال تتناسب مع دخل المركبة. وبدلاً من أن يعود المواطن ليبحث عن وظيفة قد لا يجدها، يستطيع أن يمتلك أصلاً منتجاً يوفر له ولأسرته مصدر دخل، وفي الوقت نفسه يساهم في حل أزمة المواصلات.

وهناك مسار آخر لا يقل أهمية: فتح الاستثمار في النقل الداخلي أمام القطاع الخاص. على الحكومة أن تطرح عطاءات عامة وشفافة لشركات متخصصة لاستيراد وتشغيل أساطيل من الحافلات والبصات داخل المدن، وفق خطوط ومواعيد ومواصفات فنية ومعايير خدمة محددة.

لماذا لا نرى في الخرطوم وأم درمان وبحري ومدني وغيرها شركات نقل خاصة تدير خطوطاً محددة بأساطيل منظمة، بدلاً من ترك شبكة المواصلات رهينة لما يتوفر يومياً من مركبات؟

الدولة ليست مطالبة بأن تشتري كل حافلة أو تدير كل خط؛ وظيفتها أن تضع السياسة، وتنظم السوق، وتفتح المنافسة، وتراقب جودة الخدمة.. وحتى لا يتحول الإعفاء إلى باب خلفي لتجارة السيارات، يمكن تحديده بعام أو عامين، مع تحديد أنواع المركبات وأعمارها ومواصفاتها، وربطه بالعمل في النقل العام لعدة سنوات، ومنع بيع المركبة أو تحويلها إلى استخدام خاص خلال تلك الفترة إلا بعد سداد الرسوم المستحقة.

هكذا تصبح أمام الحكومة سياسة واضحة بثلاثة مسارات: إعفاء جمركي استثنائي لوسائل النقل العام، تمويل أصغر يساعد العائدين والشباب على امتلاك وسائل إنتاج، وعطاءات تنافسية تجذب الشركات الخاصة إلى النقل الداخلي.

هذه ليست منحة ولا صدقة، هذه إعادة إعمار.. فإعادة الإعمار ليست مباني وكباري وكهرباء ومياه فقط. المدينة التي لا يستطيع الطالب الوصول فيها إلى مدرسته، والعامل إلى مصنعه، والمريض إلى مستشفاه، لم تستعد حياتها بعد.

السيد رئيس مجلس الوزراء، السيد وزير المالية؛ انزلوا بهذا الملف إلى الشارع. اسألوا الطلاب كيف يصلون إلى مدارسهم، والموظفين كيف يصلون إلى أعمالهم، والأسر العائدة كيف تتحرك داخل مدنها. عندها ستكتشفون أن أزمة المواصلات ليست قضية هامشية، وإنما واحدة من العقبات الحقيقية أمام العودة واستعادة النشاط الاقتصادي.. فالعودة الحقيقية ليست أن يعود المواطن إلى السودان فقط؛ العودة الحقيقية أن يجد وسيلة يتحرك بها، وعملاً يعيش منه، ومدينة يستطيع أن يبدأ فيها حياته من جديد.

وإذا كنا جادين في تشجيع السودانيين على العودة، فلا تجعلوا أول ما يكتشفه العائد بعد سنوات الحرب أنه عاد إلى وطنه… لكنه عاد إليه على قدميه !!

Exit mobile version