العودة إلى الديار… بين أشواق الوطن وتحديات الواقع من ميدان العزيزية بالقاهرة… عائدون لـ«الأحداث»: الأمن أولاً… والصحة والتعليم والخدمات طريق الاستقرار

استطلاع

القاهرة – سماح طه

لم يعد الحديث عن العودة إلى السودان مجرد أمنية يرددها السودانيون في دول اللجوء، بل أصبح واقعاً يتجسد يومياً في رحلات التفويج التي تنطلق من ميدان العزيزية بالقاهرة، حيث تتقاطع مشاعر الفرح بقرب لقاء الوطن مع القلق من واقع ما بعد العودة.
في هذا المكان، حيث تصطف الحافلات استعداداً للانطلاق، التقت «الأحداث» عدداً من المواطنين الذين حزموا أمتعتهم وقرروا العودة إلى بلادهم. حمل كل منهم قصة مختلفة، لكنهم جميعاً اشتركوا في حنين لا ينقطع إلى الوطن، رغم ما يتردد عن استمرار قطوعات الكهرباء، وتراجع الخدمات الأساسية، والتحديات المعيشية، بالتزامن مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد.
وفي ظل الجدل الدائر حول حملات العودة، وما أثير من حديث عن أن الحكومة السودانية تسعى إلى إعادة المواطنين من دول اللجوء، اقتربت «الأحداث» من أصحاب القرار الحقيقيين، وهم المواطنون أنفسهم، لتطرح عليهم أسئلة مباشرة: هل العودة قرار طوعي اتخذوه بإرادتهم الكاملة، أم أن ضغوط الحياة في المهجر فرضت عليهم هذا الخيار؟ وما الذي ينتظرونه من الدولة حتى تكون العودة بداية لاستقرار حقيقي؟
وجاءت الإجابات متنوعة، لكنها اتفقت على أن حب الوطن كان الدافع الأكبر للعودة، مع مطالب واضحة بتحسين الأمن والخدمات.
نعمات محمود: الأمن أهم من كل الخدمات
أكدت نعمات محمود أن قرارها بالعودة إلى السودان كان قراراً طوعياً بعد أكثر من أربع سنوات في الغربة، وقالت: “نعم، العودة طوعية، وبعد أكثر من أربع سنوات في الغربة لم يعد هناك أجمل من الرجوع إلى الوطن. وحتى إذا كانت الخدمات سيئة فإن ذلك يمكن التعايش معه”.
وأضافت أن المطلب الأهم بالنسبة لها هو الأمن، مؤكدة أن “كل شيء يمكن أن نتحمله إلا انعدام الأمن، فإذا توفر الأمن فإن بقية الخدمات يمكن تحسينها مع الوقت”.

عمر: البلاد لن تعود إلى طبيعتها إلا بعودة أهلها

قال المواطن عمر إنه سيعود إلى السودان رغم أن منزله في منطقة الطائف، موضحاً أنه سيقيم مع أسرته في أم درمان خلال المرحلة الحالية لتوفر الخدمات فيها بصورة أفضل.
وأضاف: “هذا القرار لابد من اتخاذه، فالبلاد لن تعود إلى طبيعتها إذا لم نعد إليها نحن، وإعادة البناء تبدأ بعودة المواطنين”.

الحاج أحمد البدوي: تكاليف السفر كانت أكبر عقبة

يرى الحاج أحمد البدوي أن مبادرة لجنة الأمل للعودة الطوعية شجعت كثيراً من الأسر على اتخاذ قرار العودة، بعدما كانت تكاليف السفر تمثل العقبة الأكبر.
وقال: “أنا لدي سبعة أفراد من الأسرة، وتجاوزت تكلفة تذاكر السفر خمسة وعشرين ألف جنيه، وهو مبلغ يصعب على كثير من الأسر.”
وأشاد بدور لجنة الأمل وديوان الزكاة، مؤكداً أن جهودهما جعلت قرار العودة أكثر سهولة، مطالباً الحكومة بالاهتمام بقطاع الصحة، وقال: “الأمن والصحة هما عماد الاستقرار”.

عبير الوسيلة: الصحة لا بديل لها
وأكدت عبير الوسيلة، التي تعمل مضيفة طيران، أن عودتها إلى السودان جاءت بإرادتها الكاملة، لكنها ناشدت لجنة الأمل مراعاة الأسر التي ظلت تنتظر دورها في العودة لأكثر من أربعة أشهر.
وأضافت: “أتمنى أن تتحسن الخدمات الصحية، فأنا أم ولدي أطفال، وأكثر ما أخشاه ألا أجد خدمة علاجية إذا تعرض أحد أطفالي لأي طارئ صحي. يمكن احتمال ضنك العيش، لكن الصحة لا بديل لها”.

ألق: أشتاق لمدرستي وصديقاتي
بدت الطالبة ألق أكثر المتحمسين للعودة، وقالت إن مجرد اقتراب موعد السفر أعاد إليها السعادة بعد سنوات الغربة.
وأضافت: “أنا سعيدة جداً، ونفسيتي تحسنت لأنني راجعة إلى السودان. لا أخاف من انقطاع الكهرباء، وسمعت أن الخريف بدأ وأن المطر والجو جميل، وكل ما أتمناه أن أعود إلى مدرستي وصديقاتي وجيراني”.

محمد: أريد أن أعيش الحياة الجامعية
وقال محمد، الطالب بالسنة الأولى في جامعة النيلين، إنه بدأ دراسته الجامعية عبر الإنترنت من مصر، لكنه يتطلع إلى استكمالها داخل السودان.
وأضاف: “أعود لأعيش إحساس الطالب الجامعي داخل قاعات الدراسة، وأهم ما نتمناه أن تتوقف الحرب ونرجع جميعاً إلى حياتنا الطبيعية”.

ريم مزمل: التخطيط الاقتصادي ضرورة
وأكدت الأستاذة الجامعية ريم مزمل أن عودتها إلى السودان جاءت طوعاً واختياراً، وقالت: “طالما أن الأمن موجود، فإن كل شيء سيعود تدريجياً إلى طبيعته.”
ودعت الاقتصاديين والخبراء إلى وضع رؤية لمعالجة الأزمة الاقتصادية، مضيفة: “لن يعود الحال إلى طبيعته إلا بالتفكير العلمي والتخطيط الصحيح لإخراج السودان من الغلاء وتحسين الأوضاع المعيشية.”
مهندسة كهربائية: “لو ما نحن رجعنا… البجيب ليكم الكهرباء منو؟”
بطابع لا يخلو من التفاؤل، استهلت مهندسة كهربائية فضلت حجب اسمها حديثها لـ«الأحداث» بقولها: “لو ما نحن رجعنا… البجيب ليكم الكهرباء منو؟”
وقالت إن خروجها من السودان لم يكن طوعاً، وإنما فرضته ظروف الحرب، مضيفة: “الآن نعود إلى الديار لأن الوقت حان للمساهمة في إعادة بناء الوطن”.
كما وجهت الشكر إلى لجنة العودة إلى الديار بديوان الزكاة، قائلة: “لم أكن أعلم أن ديوان الزكاة يقدم مثل هذه الخدمات الجليلة، وكان لجهوده أثر كبير في تسهيل عودة الأسر.”
بين الحنين والواقع
وعلى الرغم من اختلاف أعمار المشاركين ومهنهم وظروفهم، إلا أن القاسم المشترك بينهم كان التأكيد على أن قرار العودة جاء عن قناعة ورغبة في استعادة الحياة داخل الوطن، وأن الأمن يمثل الأولوية الأولى، يليه تحسين الخدمات الصحية والتعليمية والكهرباء، وتهيئة بيئة اقتصادية تساعد المواطنين على الاستقرار.
وبين حنينٍ لم ينقطع إلى الوطن، وآمالٍ معلقة على مرحلة ما بعد الحرب، يبعث هؤلاء العائدون برسالة مفادها أن إعادة إعمار السودان لا تبدأ بالحجر وحده، بل تبدأ بعودة أبنائه، وبتهيئة الظروف التي تمنحهم فرصة لبناء حياة آمنة وكريمة في وطنهم.

Exit mobile version