العالم الذي يتوقف عن الإنجاب.. الديموغرافيا تقلب معادلات القوة

كان السؤال الديموغرافي الذي أخاف العالم طوال القرن العشرين هو: ماذا سيحدث إذا تكاثر البشر أسرع من قدرة الأرض على إطعامهم؟ اليوم يظهر سؤال معاكس تماماً في عشرات الدول: ماذا يحدث إذا توقف الناس عن إنجاب عدد كافٍ من الأطفال؟
تقول أحدث تقديرات الأمم المتحدة إن معدل الخصوبة العالمي هبط إلى نحو 2.25 مولود لكل امرأة، مقابل 3.31 في عام 1990. وأكثر من نصف دول العالم أصبحت دون مستوى الإحلال السكاني البالغ نحو 2.1 طفل، فيما دخلت الصين وكوريا الجنوبية وإيطاليا وإسبانيا ودول أخرى منطقة الخصوبة شديدة الانخفاض. (United Nations)
ويعني ذلك أن القرن الحالي قد يشهد تحولاً ديموغرافياً لم يعرفه التاريخ الحديث. تتوقع الأمم المتحدة أن يصل عدد سكان العالم إلى نحو 10.3 مليارات نسمة في منتصف ثمانينيات القرن، ثم يبدأ في التراجع. والتقدير الجديد أقل بنحو 700 مليون نسمة من التوقعات التي كانت سائدة قبل عقد واحد فقط. كما أن ربع سكان العالم يعيشون بالفعل في بلدان بلغ عدد سكانها ذروته. (United Nations)
المشكلة ليست انخفاض عدد البشر في حد ذاته، وإنما اختلال التركيب العمري.
الاقتصاد الحديث يعتمد على عدد كبير من العاملين يمولون بالضرائب والاشتراكات معاشات المتقاعدين وخدمات الصحة والرعاية. وعندما يقل عدد الشباب ويزداد كبار السن، تتغير المعادلة: كل عامل يصبح مطالباً عملياً بتمويل عدد أكبر من الأشخاص خارج سوق العمل.
وتواجه اليابان وكوريا وإيطاليا وألمانيا وغيرها المشكلة بالفعل. ولذلك تتجه الحكومات إلى رفع سن التقاعد، وتشجيع النساء على البقاء في سوق العمل، وتقديم دعم للأسر، والاستثمار في الروبوتات، وفتح أبواب الهجرة بدرجات متفاوتة.
لكن زيادة الإنجاب أثبتت أنها أصعب من إصدار قرار حكومي.
قد تقدم الدولة إعانة مالية أو إجازة أمومة أو حضانة مجانية، لكن قرار الأسرة يرتبط بأسعار السكن والتعليم، واستقرار الوظيفة، وساعات العمل، وتأخر الزواج، وتغير مفهوم النجاح الشخصي.
وهنا تنشأ مفارقة: كثير من البلدان الأكثر ثراءً وتعليماً أصبحت هي الأقل إنجاباً.
أما أفريقيا فتقف على الجانب الآخر من المعادلة.
القارة هي الأصغر سناً ديموغرافياً، ولذلك يمكن أن تتحول خلال العقود المقبلة إلى أكبر خزان عالمي للقوى العاملة. وفي عالم تشيخ فيه أوروبا وشرق آسيا، قد يصبح العامل الأفريقي مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن النفط أو المعادن.
لكن الشباب وحده لا يصنع القوة.
إذا دخل عشرات الملايين سوق العمل دون تعليم ومهارات ومصانع ووظائف ومدن قادرة على استيعابهم، يتحول ما يسمى «العائد الديموغرافي» إلى بطالة وهجرة واضطرابات.
ولهذا فإن الاستثمار الأهم في أفريقيا اليوم ليس مجرد زيادة الناتج، وإنما تحويل العدد الكبير من الشباب إلى رأس مال بشري.
أما الدول الغنية فستجد نفسها أمام خيار سياسي صعب: إما قبول الهجرة، أو قبول انخفاض السكان، أو الاعتماد بصورة أكبر على الأتمتة والروبوتات.
وقد يصبح ذلك أحد أكبر التناقضات السياسية في الغرب: البلدان التي تحتاج إلى مهاجرين اقتصادياً هي نفسها التي تشهد صعوداً سياسياً للقوى المعارضة للهجرة.
في القرن الماضي كان السكان مصدراً للقلق بسبب كثرتهم.
في القرن الحالي قد يصبح الإنسان نفسه سلعة نادرة تتنافس الدول عليها: الطفل والعامل والطبيب والمهندس والمهاجر.
وهكذا تتحول الديموغرافيا من علم للإحصاء إلى أحد أهم محددات القوة الدولية.

Exit mobile version