رأي

الصيغة والممارسة السياسية

أ.د. محمد حسين أبو صالح

في ظل تعقيدات البيئة الوطنية والتي ربما تشهد تناقضات أو هشاشة سياسية أو هشاشة ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية، ومن ذلك التعقيدات الديمغرافية والعصبيات وقضايا الإثنيات والأقليات والانتماءات الجزئية قبلية كانت أو جهوية، والفقر وضعف الأداء الاقتصادي، إلخ، مقرونا بالانفجار المعرفي الذي يشهده العالم حيث تحول العالم من صراع الطبقات التقليدية، إلى صراع جديد يتحكم فيه من يمتلك المعرفة، حيث ارتبط النجاح في تحقيق النهضة بمدى وجود سند معرفي لعمليات إدارة الدولة.

وفي ظل الصراع الدولي العنيف حول المصالح، فإنه من البديهي للدول عموماً لا سيما الدول النامية، بإمكاناتها وثرواتها الطبيعية الضخمة لحاجتها لصيغة وممارسة سياسية تقوم على المعرفة والابتكار والعدل والأخلاق، وهذا لا يمكن أن يتوفر دون التحول نحو المبادرة واتخاذ توجهات إستراتيجية جريئة بعيدًا عن المجاملات التي تميز الساحة السياسية في معظم الدول النامية، وهو مبدأ لا يوفره إلا التخطيط الإستراتيجي.

ولعله من المهم بعد هذه العقود الطويلة منذ الحرب العالمية الثانية وما نشأ عنها من نظام عالمي وفق قيم محددة على رأسها العدالة وحماية الكرامة الإنسانية وتعزيز مبادئ الديمقراطية، وما تبع ذلك من تطبيق لرؤى وسياسات وتشريعات ومواثيق دولية، فمن المهم التوقف للتقييم والتعرف على مدى تحقيق تلك القيم والغايات، حيث لم تتوقف شلالات الدم ولم يهدأ العالم من الحروب المستمرة والفوضى الاقتصادية والمالية المتكررة والفوضى الأخلاقية التي يعبر عن بعضها تلك المحاولات المستمرة لتخطي إرادة الشعوب عبر وسائل متعددة، واستخدام سلاح الملفات الحمراء لتحقيق السيطرة والنفوذ وتجاوز الإرادة الوطنية والمهنية، وذلك الفشل الكبير في تأسيس توازن تنموي أو شراكة بين الشمال العالمي مع الجنوب العالمي، الشئ الذي أدى إلى تنامي الفقر في جنوب العالم، وتدمير البيئة، فضلا عن انتشار الجريمة المنظمة والمخدرات والتطرف وموجات ضخمة من الهجرات نحو الشمال العالمي تبعا لذلك، مع خلل ملحوظ في توزيع الدخل العالمي لصالح قلة من الشركات وأصحاب الأموال، في أكبر دليل على فشل النظام العالمي في إدارة الأرض بشكل حكيم يقوم على العدل والمعرفة والأخلاق.

وإذا اعتمدنا غالب الآراء التي تعرف الديمقراطية بأنها حكم الناس وفق إرادتهم، فإننا نكتشف أن الممارسة الحقيقية للسياسة الدولية تخالف ذلك بشكل كبير، مما يدعو للتوقف لتقييم مبدأ تطبيق الديمقراطية في ظل التدخلات الكثيرة في الشأن الوطني للدول الضعيفة، حيث يمكن ملاحظة ذلك من خلال منظورين:

المنظور الأول:

تجاوز الإرادة عبر العقوبات الدولية أو الأحادية أو الضغوط للموافقة على تشريعات وسياسات محددة، ربما بعضها يخالف رغبات الشعوب وتوجهاتهم ومعتقداتهم وثقافاتهم وفلسفتهم للحياة، وهو ما يناقض مبدأ الحرية ومبدأ الديمقراطية، ولعل كل تلك الضغوط تحدث في وقت تنتشر فيها ما يقترب من الألف قاعدة عسكرية في أنحاء العالم، وفي هذا دليل على الرغبة في السيطرة وليس مجرد تحقيق مصالح أو تحقيق لمبدأ الديمقراطية، ولعل الوعي العالمي الذي بدأ يتنامى حالياً ربما يشكل مظلة لتخطيط استراتيجي سياسي جديد أكثر حكمة وأكثر عدالة، يقوم على إرادة عالمية.

وتعزيزاً لما ذكرت أعلاه، يمكن لأي باحث استراتيجي في الشأن السياسي أن يلاحظ سيطرة لوبي المصالح على القرار السياسي من خلال سلطة المال، وهكذا أفرز النظام الاقتصادي العالمي المسنود بالنظام السياسي العالمي واقعاً يؤسس لخلل استراتيجي يتمثل في سيطرة قلة من أصحاب المال على الدخل العالمي، وهذا بدوره أدى إلى سيطرة المال على الإعلام وسيطرة المال على السياسة وهو السبب الأساسي لتهتك السياج الأخلاقي للنظام العالمي لتسود أجندة أصحاب المال وليس الشعوب، وفي هذا نقد كبير لمبدأ الديمقراطية.

فضلاً عن أن نظام الفيتو في حد ذاته يؤسس للوصاية ولأجندات ضيقة وفي هذا تناقض مع مفهوم الديمقراطية، حيث يمكن ملاحظة أن فيتو من دولة واحدة قادر على تجاوز إرادة أكثر من مائة دولة، كما يمكن ملاحظة خلل أساسي يناقض مبدأ الديمقراطية، يتمثل في معايير منح حق الفيتو حيث تجد دولة بتعداد يبلغ ربع سكان الأرض دون فيتو مثل الهند، بينما دولة بسكان يساوي 5% من سكان الهند ولها فيتو مثل بريطانيا وفرنسا، وأن عدد سكان الدول صاحبة حق النقض (بدون الصين) يساوي 43% من سكان الهند، و7.44% من سكان الصين، ويساوي 35% من عدد المسلمين، و40% من سكان إفريقيا.

على الصعيد الوطني يمكن ملاحظة أن التدخلات الأجنبية عبر تمويل واحتضان الأحزاب السياسية أو من خلال تأسيس وتمويل التنظيمات المسلحة، أو من خلال استلاب الإرادة عبر صناعة القيادات الوطنية أو صناعة الفوضى الخلاقة (Creative Chaos) أو صناعة الأزمات (Crisis Industry)، أو الملفات الحمراء، وغير ذلك، استطاعت تجاوز إرادة الشعوب ومن ثم تجاوز مبدأ الديمقراطية، وهكذا استمرت معظم دول الجنوب في حال صراع وخلافات ونزوح وفقر وتخلف طوال فترة النظام العالمي.

المنظور الثاني:

في ظل الانفجار المعرفي الذي يشهده العالم والتطور المذهل لدور التقنية الحديثة بما في ذلك تقانة المعرفة والتي يسميها الكثيرون تقانة المعلومات، يحق لنا أن نتساءل عن دقة تعريف الديمقراطية الذي يقوم على مفهوم (إرادة الشعوب)، فالمنطق يشير إلى أن هناك نوعين من المشورة، الأول هو مشورة عامة، وهذه يمكن للشعوب إبداء الرأي فيها، لكن هناك نوع من الشورى لا تستطيع الشعوب البت فيها وإنما تحتاج لشورى معرفية متخصصة، فإبداء الرأي في قضية اقتصادية معقدة يحتاج لشورى معرفية من خبراء الاقتصاد مسنودة بشورى معرفية من خبراء السياسة والعلاقات الدولية، وهكذا بلورة رؤية حول الطاقة أو العلاقات الدولية إلخ، يحتاج لشورى معرفية من خبراء الطاقة وخبراء العلاقات الدولية.

لا أقف في هذا الحد فقط وإنما أشير إلى مستوى أعلى من المعرفة، حيث أن هذه الشورى المعرفية التي ينتجها الخبراء الاختصاصيون ستكون محدودة أمام فرص إنتاجها عبر تقانة المعرفة، حيث أن أنظمة تقانة المعلومات والذكاء الاصطناعي صارت قادرة على إنتاج معرفة من خلال الغوص في مليارات من البيانات والمعلومات والربط بينها بل والغوص في التجارب الإنسانية عبر التاريخ مما يوفر معرفة لا يمكن للشعوب القيام بها، ولا يمكن للخبراء بأدواتهم التقليدية القيام بها.

من هنا فقد قمت بطرح مفهوم ديمقراطية المعرفة، وأعني بذلك النظام الذي يستطيع عبر المنهج العلمي والتحليل الاستراتيجي وأنظمة إنتاج المعرفة رقمياً (Knowledge Mining)، عبر القدرة على الدخول في كافة بيانات ومعلومات الشعب، بما يمكن إنتاج الخطط والقرارات بشكل أفضل، ومعرفة ما يريده الشعب بشكل أعمق وأكثر دقة عكس المنهج التقليدي الذي يعتمد على أطروحات محدودة من خلال الانتخابات يعجز عن التعبير العميق عما يريده الشعب ليظل النائب البرلماني يتحدث باسم مجموعة ناس دون تفويض حقيقي أو مكتمل منهم.

إن استخدام أدوات تقانة المعلومات في تأسيس أنظمة رقمية تعبر عن توجهات الشعوب والمبادئ والقيم الأساسية، من شأنه التأسيس لممارسات تمنع أو تقلل من محاولات التغول على الديمقراطية والفساد. إن إجراء استفتاء رقمي للشعب حول موضوع معين وتحليله سيمكن من إنتاج معرفة عما يريده الشعب، وسيكون هذا أجدى من البرلمان التقليدي.

كما إن استفتاء الخبراء المختصين في قضية معينة مسنوداً بتقانات إنتاج المعرفة، سيكون أجدى من الطرق التقليدية لإنتاج المعرفة، فإن كان في قدرة الباحث الغوص في خمسين بحثاً وإجراء مسح ميداني لعدة مئات من البشر، فإن تقانة الذكاء الاصطناعي قادرة على الغوص في مئات الآلاف من المراجع والبحوث عبر الحاضر والماضي، وإجراء مسوحات لملايين البشر.

ولعل في هذا إشارة ضمنية للحاجة الملحة لتطوير صيغة سياسية تؤسس للسلطة المهنية تتشارك إدارة الدولة، بجانب السلطات القضائية والتشريعية والسياسية. فإذا كان واقع الحال يقول أن أدوات السيطرة تغيرت واتجهت لمن يمتلك أدوات المعرفة، فمن الطبيعي تأسيس هذه السلطة المهنية، والاهتمام بالمجالس المهنية، كالمجلس الهندسي أو المجلس الاقتصادي أو الزراعي أو الصحي، في إطار معادلة تتيح لهم المشاركة في العملية الديمقراطية.

وفي الوقت الذي يتحول فيه العالم من السبورة والطباشير إلى اللوح الإلكتروني وأدوات تقانة المعلومات، وارتباط النشاط الإنساني في كل مناحيه بهذه التقانة، فإنه من الطبيعي أن نتصور شكل برلمان المستقبل، برلمان المعرفة الذي أتصور تبنيه في المستقبل، حيث التحول من انتخابات عشوائية تأتي بممثلين للشعب دون إدراك عميق أو تمثيل حقيقي لهم، وربما تأتي بتمثيل عشوائي لمهن معينة وإغفال أخرى، إلى برلمان يحقق الشمول المهني بارتباط مؤسسي مع المجالس المهنية، حينها يمكن أن نتحدث عن مفهوم دقيق للديمقراطية يتأسس على المعرفة، ومفهوم عميق لترسيخ إرادة الشعوب ومفهوم عميق لإدارة الأرض.

إذاً أنا أتحدث عن جيل جديد من الديمقراطية يتجاوز أزمة الديمقراطية التمثيلية التي أصابها الكهل، إلى صيغة جديدة تحول الديمقراطية من طقوس موسمية باردة ومداولات برلمانية رتيبة إلى نظام ديناميكي عالي الحيوية يشعر المواطن فيه بحق أنه جزء منه، عبر الاستفتاءات الرقمية والاستشارات المتخصصة والمبادرة البحثية والمشاورات الشعبية في الفضاءات العمومية الرقمية وغير الرقمية، والإدراك العميق للاحتياجات والتصورات والآمال والآلام والتاريخ والواقع الفعلي عبر التحليل المتقدم والتنبؤ وبناء النماذج بالأدوات الرقمية الحديثة.

جيل جديد من الديمقراطية يتجاوز التسطيح المخل لتعريف المصالح وصياغة البرامج الحزبية الجامدة جيل يوظف الأدوات المعرفية والرقمية والذكاء الصناعي بذات الكفاءة التي توظف وتدمج بها هذه الأدوات في الصناعة الحديثة حالياً في بعض الدول المتقدمة، فما تحتاجه الصناعة من كفاءة وفاعلية تحتاجه السياسة، بل هي أولى، ولكن وفق القيم والأخلاق. نحن إذاً أمام جيل جديد من الديمقراطية يعتمد المعرفة كناظم مركزي يتأسس عليه النظام وليس كعنصر داعم لعمل النظام والمعرفة تشمل بطبيعة الحال أصحاب المعرفة ومؤسساتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى