الشيخ حمد بن خليفه: القيادة التى لا تهاب القرارات الصعبة

السفير عطا المنان بخيت

منذ لحظة إعلان وفاته، إنهالت الاقلام من أرجاء الدنيا، تكتب عنه وتثنى عليه، وتسلط الضوء على منجزاته الهائلة، فى بلاده خاصة وعلى مستوى العالم، فقد تمكن في سنوات معدودات أن يبني أمه شامخة في ظروف دولية قاسية. والثناء الذى فاضت به الأسافير هو شهادة خير للشيخ حمد بن خليفه أل ثانى، رحمه الله، فالناس شهداء الله فى الأرض.

هذا المقال يحاول أن يعكس وجهاً آخر من سيرة الأمير الوالد، الشيخ حمد، ويستعرض رؤية القائد وجرأته فى إتخاذ القرار الصعب في الوقت المناسب، وغيرته على وطنه الذي يريد له دوماً أن يكون قائداً لا مقوداً. ويعتمد المقال على ماورد في المذكرات الدسمة التي كتبها رفيق دربه الشيخ حمد بن جاسم بن جبر رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق، وهي مذكرات تفيض بالوفاء للأمير الوالد، وتحكي خفايا مسيرة قطر الناهضة، وهي مرجع مهم لكل مهتم بالسياسة القطرية والعربية في تلك الحقبة الهامة.

وسأتناول بإختصار، ثلاثة مواقف عن رؤية وجرأة القائد ..

الموقف الأول هو قرار الرهان على الغاز الطبيعي المسال، ويرى الشيخ حمد بن جاسم، أن القرار الأصعب والأهم الذى إتخذه الأمير الوالد، فور توليه إمارة البلاد فى العام 1995، هو قرار الرهان على الغاز الطبيعي المسال، وبناء صناعة إستراتيجية كاملة، فالمشروع كان ضخماً ومكلفاً، لدرجة أن كثيراً من الخبراء يشككون في جدوى المشروع، ويعتبرونه مغامرة غير مأمونة العواقب. لم يكن الأمر سهلا فالدراسات الأولية المشجعة لم تكن قاطعة، وفي حالة فشلها فإن الدولة، المتواضعة الدخل أصلا حينها، ستكون مدينة بمليارات الدولارات للشركات المنفذة، لذلك ظل القرار سنوات محل تداول وتفكير. ولكن الشيخ حمد بن خلفية، قرر الحسم وإتخذ القرار الأصعب فى تاريخ قطر السياسي، بمزيد من التوكل وحسن الظن بالله، وبجرأة القائد الذي لا يتردد . وكان القرار موفقاً وصائباً، ومع تدفق الغاز، وبداية تصديره فى العام 1997، تدفقت ثروات هائلة في خزينة الدولة، صنعت النهضة القطرية الماثلة للناظر الآن. الموقف الثاني كان حول مسيرة العلاقات الأمريكية القطرية، يكشف الشيخ حمد بن جاسم في مذكراته معلومات هامة عن هذه العلاقات، يقول، أن العلاقات مع أمريكا حتى العام 1991، كانت في أدنى مستوياتها، لدرجة أن قطر كانت تخضع لعقوبات فرضها الكونغرس. وفجأة جاءت حرب الخليج، وحينها قرر الأمريكان الإنتشار العسكري في كل دول الخليج، إستعداداً لحرب تحرير الكويت. جاء وفد سعودى برئاسة الأمير نايف وزير الداخلية حينها، وطلبوا من قطر السماح بوجود أمريكى إستعداداً للحرب، لكن الشيخ حمد، ولى العهد حينها، رفض السماح بأي وجود أمريكي في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة على قطر. وقال بصرامه، إن على الأمريكان رفع العقوبات عن قطر أولا، وأن يحضر إلينا الرئيس بوش ليقدم طلب الوجود العسكري حتى ننظر فيه. ولا شك أن هذا موقف قوى جداً، لدولة لم تكن حينها ذات أولوية في أجندة أمريكا في المنطقة. لكن الشيخ حمد إختار الوقت المناسب للضغط لتحقيق مايريد، فلا شئ في السياسة يقدم مجاناً.

وتحت إصرار قطر، وصل وفد أمريكى برئاسة نائب الرئيس إلى الدوحة، وطلب الأمريكان بأنفسهم السماح لهم بوجود في قطر، إستعدادا للحرب، لكن الشيخ حمد أصر أن ترفع العقوبات فورا، بقرار من الرئيس بوش. حاول الجانب الأمريكى أن يشرح للجانب القطري، أن النظام لا يعمل بهذه السرعة في أمريكا، وأن إلغاء قرار الكونغرس يحتاج إلى ترتيبات إجرائية، ولكن الشيخ حمد لم يقتنع. وأخيرا إقترح عليهم أن يكتب الرئيس بوش شخصياً خطاباً لأمير قطر، يلتزم فيه برفع العقوبات عن قطر، وتحديد فترة زمنية لذلك، وإلا فإن الدوحة لن توافق على طلبهم. وقد كان، فقد أرسل الرئيس بوش خطاباً رسمياً، ورفعت العقوبات بعد ذلك. يعلق الشيخ حمد بن جاسم على تلك الحوارات بقوله: لم نكن نعرف أمريكا حينها، ولم نكن نعرف كيف يعمل النظام السياسي الأمريكي. والآن يمكن أن نقارن بسهولة كيف كانت علاقات الدوحة وواشنطن، وأين هى الأن، لندرك عبقرية القيادة عند الأمير الوالد.

الموقف الثالث هو موقف طريف جداً، لكنه يكشف عن غيرة الشيخ حمد رحمه الله على بلاده، وحرصه أن تتفوق دوماً في كل المجالات، مهما كلف ذلك. يروى الشيخ حمد بن جاسم في مذكراته، أنه في العيد الوطني لمملكة البحرين، وأثناء العرض العسكري الرسمي، عرض الجيش البحريني صاروخ كروز الأمريكي ضمن ترسانته العسكرية، ولم تكن قطر تملك هذا الصاروخ في ذلك الوقت. فطلب الأمير من الشيخ حمد بن جاسم التواصل مع الأمريكان وشراء صورايخ كروز للقوات المسلحة القطرية، إلا أن أمريكا رفضت الطلب القطري تماماً. لكن الأمير الوالد أصر على أن يمتلك صاروخ كروز، ويعرض في العيد الوطني القطري، ووجه زير خارجيته بالعثور على صاروخ مهما كلف ذلك. يقول الشيخ حمد بن جاسم، تواصلت مع عدد من الدول الصديقة ولم أنجح، وأخيرا أخبرتني دولة صديقة، لم يذكرها، أنها تمتلك نصف صاروخ كروز، أى صاروخ خردة، لكن يمكن إصلاحه وعرضه، كأنه صاروخ كامل. جرى نقل الصاروخ الخردة للدوحة، وأجريت عليه السمكرة اللازمة، وتم عرضه في العرض العسكري في العيد الوطني القطري. وما أن إنتهى العرض العسكرى حتى إتصل السفير الأمريكى وطلب مقابلة وزير الخارجية فوراً، وقال إنه يحمل رسالة عاجلة من البنتاغون لمعرفة كيف حصلت قطر على صاروخ كروز، دون علم أمريكا. لكن وزير الخارجية القطرى، وبتوجيه من الأمير الشيخ حمد، رفض رفضاً باتاً الكشف عن ملابسات حصول قطر على الصاروخ الأمريكي، مما سبب قلقاً شديداً للإدارة الأمريكية. ويختتم الشيخ حمد بن جاسم حديثه عن هذه المغامرة الطريفة، بالقول: واليوم فقط، وبعد صدور هذه المذكرات، سيعلم الأمريكان كيف حصلت قطر على أول صاروخ كروز، وهو السؤال الذى أقلقهم لسنوات طويلة.

هكذا تكون القيادة، قراراً وغيرة ومبادرة، وهكذا قاد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة أل ثانى بلاده في بحر العلاقات الدولية العاصف، وبنى لها مجدا، ورفع لها راية تظل خفاقة بعد رحيله، رحمه الله وأحسن إليه.

Exit mobile version