السودان… وطنٌ يحاصره أبناؤه

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

إن كان العالم قد انشغل بإغلاق مضيق هرمز، وبحصاراتٍ تُفرض من الخارج كما في الصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فإن السودان ظل—ومنذ استقلاله—يرزح تحت حصارٍ من نوعٍ آخر؛ حصارٍ صنعه أبناؤه بأيديهم قبل أعدائهم، فضيّقوا به على وطنهم، وأعاقوا به تقدّمه، قبل أن يعيقه غيرهم.

وليس هذا الحصار مجازًا لغويًا أو توصيفًا إنشائيًا، بل هو واقعٌ متكامل الأركان نعيشه ونشاهده؛ فهو حربٌ مستمرة يوجّه فيها أبناء الشعب السلاح إلى صدور بعضهم، وهو أيضًا دورانٌ مُرهق في حلقات الفقر والجهل والتخلّف والمرض، وتردٍّ معيشي واقتصادي واجتماعي يكاد يتحول إلى قدرٍ مفروض، تُغلق فيه مسارات الحياة كما تضيق فيه آفاق الدولة. فليست كل الحصارات تُفرض من الخارج، ولا كل الإغلاقات تُدار من مضيقٍ بحري أو قرارٍ عسكري، بل ثمة حصارٌ أشد قسوةً وأطول عمرًا، ذاك الذي يُقام من الداخل، وتُشيَّد أسواره من الخطاب، وتُحكم بواباته بسلوك النخب وخيارات القادة.

لقد حُوصِر السودان بخطاباتٍ وأفعالٍ بدت في ظاهرها مطالبةً بالحقوق، لكنها في جوهرها أعادت إنتاج الأزمات بدل حلّها. خطاب التهميش الذي تحوّل من توصيفٍ جزئي إلى تعميمٍ مخل، حتى بدا وكأن السودان كله واقعٌ تحت مظاهر تهميشٍ متفاوتة. وذريعة المركز والهامش التي قسّمت البلاد نظريًا، متجاهلةً أن كل مركزٍ يحمل في داخله هوامشه، وأن ثنائية المركز والهامش ليست بنيةً ثابتة، بل تدرّجٌ متداخل؛ ففي كل هامشٍ مركز، وفي كل مركزٍ هوامش تتوالد حوله. وهو ما يجعل الادعاء بوجود مركزٍ واحد يحتكر السلطة والثروة تبسيطًا مخلًا للواقع. وأن جوهر القضية ليس جغرافيا، بل عدالة إدارة وتوزيع فرص. ثم خطاب المظلومية الذي تمدّد حتى شمل الجميع، ففقد دلالته، وتحول إلى أداة تعبئة لا أداة إنصاف، وسوقٍ تُتداول فيه القضايا أكثر مما تُعالج.

لقد حاصرونا بالكراهية قبل أن يحاصرونا بالسلاح، وبالإقصاء —إقصاء الآخر ورفضه— قبل أن يقصوا الوطن نفسه من مستقبله. تبنّوا خطابًا يُغذّي الانقسام على أساس العرق أو الفكر، ومارسوا إقصاء الآخر حتى صار الاختلاف تهمة، والتنوّع خطرًا. وفي بيئة كهذه، لا تنمو دولة، ولا تستقر أمة، بل يتكرّس الصراع ويُعاد إنتاجه. وإن لم نتجاوز هاتين الآفتين—الكراهية والإقصاء—فلن نغادر هذا المستنقع، مهما تبدّلت الوجوه وتغيّرت الشعارات.

ثم انتقل الحصار من اللغة إلى الفعل… إلى السلاح. فاستُسهل حمله، واستُبدل به الحوار، وتحول من وسيلةٍ استثنائية إلى خيارٍ أول. ولم يقتصر ذلك على حركات التمرد، بل امتد إلى بنية النخبة نفسها؛ سياسيون لم يسلكوا سبل التداول السلمي وتنظيم الشأن العام، وعسكريون لم يصبروا على مقتضيات الدولة، وطبقة هجينة من “السياسيين المتعسكرين” و“العساكر المتسيّسين” اختلطت فيها الأدوار، فغابت الحدود بين من يدير السياسة ومن يحتكر القوة. وهكذا صار الوصول إلى السلطة أقرب إلى فوهة بندقية منه إلى صندوق اقتراع.

وفي كثيرٍ من الأحيان، لم تكن المطالب التي رُفعت بالسلاح على قدر هذا الثمن الباهظ، بل كانت مطالب عادية يمكن أن تُناقش داخل إطار الدولة لو خلصت النوايا، وبعضها لم يكن سوى تصوّراتٍ متوهمة أُلبست ثوب الحقوق. لكن البندقية، حين تُرفع، تُغلق باب الحوار، وتحوّل السياسة إلى صراعٍ صفري لا غالب فيه إلا الخراب.

وفي قلب هذا المسار، برزت أزمة المقصد.

فكثيرٌ ممن رفعوا شعارات العدالة لم يسعوا إلى عدالةٍ عامة، بل إلى قسمةٍ خاصة للسلطة والثروة. تاجروا بالتهميش، وبقضايا الهامش، وبالتمييز، وبالحقوق التاريخية، واتخذوا منها وسائل للوصول لا غايات للإصلاح. وحين بلغوا مواقع الحكم، ازداد الشعب معاناة، ولم تتحقق الوعود، بل تركزت الثروة، واتسعت الفجوة، وتكرّس ذات النمط الذي ادّعوا مقاومته. اغتنوا هم، وحكموا وحدهم، وبقي الناس على حالهم؛ مهمّشين، مثقلين، منهكين.

لقد دمّروا أكثر مما بنوا، وأخّروا البلاد أكثر مما دفعوها إلى الأمام. أرهقوا المجتمع ولم يريحوه، وإن وُجدت راحة، فقد كانت لأنفسهم لا لغيرهم. فصار الوطن رهينة دوراتٍ متكررة من الشعارات والتمرد، تنتهي دائمًا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورةٍ أشد تعقيدًا وأعمق كلفة.

ولم يكن هذا الحصار داخليًا خالصًا، بل تداخل مع الخارج. فالسودان لم يُغزَ بقدر ما فُتح من داخله، حين استعان بعض أبنائه بالخارج، وسلّموا له مفاتيح التأثير، فاختلطت الأجندة الداخلية بالخارجية، وتحولت القضايا إلى أوراق تفاوض، والوطن إلى ساحة تقاطع مصالح. وساهم في ذلك من اعتادوا طرق أبواب السفارات والمنظمات، بحثًا عن شرعيةٍ تُستورد، لا شرعيةٍ تُبنى من الداخل.

والمفارقة المؤلمة أن هذا الحصار لم يصنعه الجهل وحده، بل شارك فيه المتعلمون قبل غيرهم، ليؤكدوا أن الجهل سلوكٌ قبل أن يكون نقص معرفة، وأن الشهادة والدرجة العلمية—مهما علت—لا تحصّن صاحبها من الانحراف حين تغيب المسؤولية ويضعف الضمير.

أيها القادة والرموز…

إن السودان لا يعاني من نقص في الموارد، ولا من غياب الفرص، بل من حصارٍ في الإرادة، ومن خللٍ في منهج إدارة الدولة. والدولة لا تُبنى بشعارات العدالة، بل بميزانها، ولا تُحكم باسم الشعب، بل بتفويضه.

فكّ هذا الحصار يبدأ بردّ الأمر إلى الشعب، عبر انتخاباتٍ حرة ونزيهة تُعيد تعريف الشرعية على أساس الإرادة العامة لا موازين القوة. فلا تُنال السلطة بالبندقية، ولا تُحتكر باسم قضية، بل تُمنح بتفويضٍ شعبي وتُسحب به.

ويستمر بإقامة العدالة على أصولها؛ عدالةٍ لا تُجزّأ، ولا تُستخدم أداةً للانتقام، بل معيارًا تُصان به الحقوق وتُستعاد به الثقة.

ويكتمل بإغلاق باب السلاح في وجه السياسة، وإعادة الاعتبار للحوار بوصفه الطريق الوحيد لإدارة الاختلاف، فلا يُكافأ العنف، ولا يُستسهل التمرد، بل تُدار الدولة بمؤسساتها لا بردود أفعالها.

ثم يأتي الأساس الذي لا يقوم البناء بدونه: الوعي.

فالوعي هو الحصن الحقيقي للدولة، وهو ما يمنع إعادة إنتاج الأزمة، ويكشف زيف الشعارات، ويمكّن الناس من التمييز بين من يخدمهم ومن يتاجر بقضاياهم. في الوعي تبدأ الاستقامة، وبالوعي تتشكل الإرادة التي تحمي الوطن من أن يُحاصر مرةً أخرى، وبه تُعرَف الواجبات، وتُدرَك الحقوق، وتُصان.

لو صدقوا في النوايا، لخلصنا وعبرنا.

ولو خلص الجهد، لتقدّمنا وانتصرنا.

ولو زهدوا في المناصب والثروات، لارتاح الشعب واستراح الوطن.

ولو أخلصوا، لما تساوى معنا أحد في رفاهٍ أو استقرار أو سلام أو نماء.

فالوطن الذي يُحاصَر من أبنائه، لا يحرّره إلا أبناؤه.

أخلصوا مرةً واحدة… وأنقذونا للأبد.

كفانا.

فكّوا حصارنا.

Exit mobile version