السودان بين الإغاثة والتنمية(2): من إدارة الأزمة إلى بناء الحل
Mazin
أميمة عبد الله
في المقال السابق سألت هل يمكن استعادة الحياة الطبيعية في كل السودان، وإغلاق ملف معسكرات النزوح الداخلي وتمكين الذين يرغبون في العودة إلى مناطقهم الأصلية التي هُجروا منها بسبب الحرب الداخلية والنزاعات المسلحة القديمة؟
وقلت إنه من الضروري مراجعة مفهوم وسياسات المعونات والمساعدات الإنسانية، وعدم السماح بإقامة معسكرات نزوح داخلي جديدة عقب نهاية الحرب القائمة الآن.
الناس في الواقع لا تحب الحرب، لكنها تتكيف معها حال وقوعها كما يحدث الآن، ولذلك نجد أن السودانيين العاديين – في قرارة أنفسهم – و بلا استثناء، يرغبون في إحلال السلام ويحلمون بالعودة، خاصة إلى مناطق النزاعات القديمة، وهو حلم مازال في إقليم دارفور مؤجل لعشرات السنوات.
عند زيارتي إلى معسكر النزوح في مدينة الدبة بالولاية الشمالية، لم يكن الأمر مختلفا، ذات طبيعة الحياة داخل المعسكرات، كما رأيتها قبل عشرة أعوام تقريباً في معسكرات ولاية جنوب دارفور. تبدلت الوقائع والناس واختلفت طبيعة النزوح وأسبابها، إلا أن الوضعية داخل المعسكرات هي ذاتها، الخيام المنصوبة قريبة من بعضها، حد أنهم يصبحون عوائل كبيرة بلا خصوصية، تضم في داخلها عشرات الأسر وفقا لدرجة قرب الخيام من بعضها، وتصبح الحياة جماعية ويتشارك الناس أحزان النزوح وحنين العودة وفاقة الحاجة وتقاسم الموجود، وتبدأ المخازن في استقبال المساعدات والتنافس عليها.
أجد أن مقارنة خطورة الاعتياد على تلقي المساعدات داخل المعسكرات تتقاسمه خطورة إفراغ المدن من أهلها وساكنيها اللذين يعرفونها وتعرفهم، وتحولها إلى أطلال يسكنها مقاتلون ومحاربون ومليشيات بدلا عن السكان الأصليين، على الرغم من أهمية التنويه إلى أن الفاشر ليست مثل بقية المدن، تاريخها كله نضال في التمسك بالأرض والبحث عن السلامة في ظل مواجهات قديمة تجددت بقسود دامية في ظل الحرب الآن، وهي آخر القلاع في إقليم دارفور وحائط الصد الذي حال دون التغيرات التي سعت إليها المليشيات لتغير خريطة الإقليم ومن ثم السودان.
المقلق حقيقة هو إفراغ مدن مثل الجنينة وزالنجي ونيالا والفاشر من أهلها الأصليين وتشتتهم في البقاع المختلفة، على الرغم من أننا ننظر الآن إلى المعسكرات التي نشأت حديثا على أنها أزمة نزوح عابر إلا أنها يمكن أن تتحول في ظل تطاول أمد الصراع ومناداة بعض الأصوات بإدماج أهلها في المناطق التي نزحوا إليها، إلى تهديد وجودي لهوية مجتمعات سودانية بكاملها وتغيير نمط حياتها.
ولأن الناس هم نفوس الديار، كذلك هم من يمنح المدن هويتها ويحافظ على تاريخها، والمدن لا نحافظ عليها بالجيش وحده من خطر الانقسام بل بوجود أهلها، و مدن مثل الفاشر ونيالا والجنينة هي مراكز للحضارة والتجارة ومن الخطورة بمكان أن تتحول إلى مدن مستباحة يتهددها التغيير الديمغرافي القسري، باستبدال السكان الأصليين بآخرين وتغير عاداتها وأعراقها بأخرى.
حتى سقوط حكم الإنقاذ ظلت معسكرات النزوح في دارفور قائمة ومحمية بالمجتمع الدولي دون أن تنجح جهود الدولة في إعادة الناس إلى مناطقهم، لقد ظلت عصية على الحل، لذلك تحولت الحلول إلى كيفية إدارة المعسكرات بدل إنهائها.
إن التطلع إلى السلام ليس فكرة طارئة، بل جزء من الوجدان الإنساني العميق، و لا يمكن الحديث عن عودة الناس دون توفير حماية لهم وضمانات، وكما ذكرنا في المقال السابق فإن نشر قوات لحفظ السلام لم ينتج سلاما كما حدث مع بعثة اليوناميد، لأن السلام لا يُفرض من الخارج بل يأتي من الداخل. وعندما يثق الناس في قياداتهم وتنتفي أسباب البقاء داخل المعسكرات، فإن إغلاق المعسكرات يحتاج إلى بديل حقيقي مسؤول من الحكومة، وهو مشروعات تنمية وإعمار تمكن الناس من الحياة الكريمة
الحكومة وحدها هي القادرة على مساعدة الناس وتوفير الخدمات الأساسية لهم وحمايتهم. كما عليها توسيع الخيارات أمام الشباب فلا تصبح العسكرة هي الخيار الوحيد، ويتطلب التخلي عن هذا الخيار جهداً حقيقياً، جهد وطني وأخلاقي من قيادات الدولة ووزراء حكومتها، البدائل الحقيقية تعني إتاحة فرص سريعة، تدريب وتأهيل الشباب لسوق العمل، مشاريع إنتاجية تعيد الناس إلى دائرة الإنتاج وترجعهم إلى قيمة العمل والناس عادة لا تنقصها الإرادة ولا أشواق العودة.
إن إعادة الحياة وكسر دائرة الاعتماد على المساعدات الإنسانية ليس بإغلاق باب الإغاثة أو إيقافها بل إعادة توجيه المعونات وربطها ببرامج ومشاريع إنتاجية صغيرة، تفتح باباً للعمل وتمكن الناس من الاستقرار وتدعم سبل كسب العيش، مشاريع تطور حياتهم المحلية وترفع من قيمة منتجاتهم وتجعلهم شركاء في البناء والإنتاج.
إن هذه الحرب التي فُرضت على السودان وأدخلته دائرة الهدم الشامل الذي طال كل شيء، يمكن أن نحولها لفرصة، تأسيس دولة حقيقية تنهي أزمتنا ومعاناتنا وتُخرجنا إلى دائرة الحياة، فالسودان لا يفتقر إلى الموارد ولا إلى رغبة السلام، بل ما ينقصنا هو إعادة بناء الثقة وتغيير طريقة تفكيرنا في إنتاج الحلول لأزمتنا .. والفرق بين الإغاثة والتنمية هو الفرق بين إبقاء الناس أحياء .. وبناء مستقبل لهم.