فى الثالث والعشرين من مايو الماضى أقال الرئيس السنغالي بشيرو فاي رئيس وزرائه الشاب عثمان سونكو من رئاسة الوزارة وحلَّ الحكومة، ربما يبدو الخبر عادياً فى أية دولة فى العالم، ولكنه كان صدمة كبيرة للرأي العام السنغالي، ولا سيما جمهور الشباب الملتف بقوة خلف حزب باستيف الحاكم. صحيح أن العلاقة بين الرجلين بدأت تسوء منذ مطلع العام لدرجة أن دولاب الدولة كاد يتوقف، إلا أن كثيراً من السنغاليين كانوا يعتقدون أن الصداقة الطويلة بين الرجلين ستحول دون إنزلاق الخلاف لفراق كامل بينهما. لا سيما وأن عثمان سونكو لم يكن رئيس وزراء فحسب، بل كان المعلم والصديق المقرب للرئيس فاي.
لمعرفة أسباب الارتباك الكبير الذى أحدثه قرار الاقالة، علينا أن نرجع قليلا للوراء، لنسأل كيف وصل الرئيس بشيرو فاي للسلطة في إنتخابات العام 2024. عثمان سونكو هو رئيس ومؤسس حزب “الوطنيون السنغاليون الأفارقة للعمل والأخلاق والإخوة” المعروف إختصارا بإسم ـ باستيف ـ ومنذ نشأة الحزب فى العام 2014 ، صعد نجم سونكو بإعتباره أقوى الاصوات المعارضة لنظام الرئيس ماكى سال، والتف حوله جمهور الشباب السنغالي المتطلع للتغيير والإصلاح. وعليه فقد كان من المفترض أن يكون عثمان سونكو هو مرشح حزب باستيف للإنتخابات الرئاسية فى العام 2024، لكن لجنة الانتخابات رفضت ترشحه لأسباب قانونية مقبولة، ولذلك إضطر الحزب لترشيح أمينه العام بشيرو فاي ليكون مرشح الحزب بدلاً عن سونكو، وحقق مرشح حزب باستيف فوزا باهرا فى الجولة الأولى للإنتخابات، والمعروف أن السنغال هي واحدة من الدول الأفريقية القليلة التي تجري فيها الانتخابات بشفافية كاملة.
بعد فوزه مباشرة عين الرئيس بشيرو فاي، صديقه عثمان سونكو رئيساً للوزارة، تقديرا له ووفاءً لبرنامج الحزب الذي قدمه للشعب أثناء الحملة الانتخابية، والى هنا، يبدو الأمر عاديا. إلا أن الخلاف سرعان ما بدأ يدب بين الرجلين عندما شرعت الحكومة التى يرأسها سونكو فى تنفيذ برامجها التي وعدت بها. النقطة الأساسية للخلاف، من جانب، هي طريقة تفكير الرجلين، فرئيس الوزراء سريع الإيقاع، حاد الانتقاد للحكومات السابقة ومخاصم للنظام السياسى السنغالي جملة، ويؤمن بأن وصوله للسلطة يعني الثورة على النظام القديم وإقتلاعه من جذوره مهما كلف ذلك، بينما الرئيس هادئ الطبع كثير التريث ، يؤمن بأن تغيير منظومة الحكم تحتاج إلى حركة إصلاح هادئة وليس لثورة عاصفة، لأن محاربة الدولة العميقة يحتاج الصبر والأناة في بلد ظل مرتبط بدوائر خارجية عديدة منذ إستقلاله فى العام 1960.
النقطة الثانية فى الخلاف، وهي الأهم فإن نظام الحكم في السنغال هو نظام رئاسي بإمتياز، حيث تتركز كل السلطات في يد الرئيس، وهو النظام الذي وضعه الرئيس المؤسس ليوبولد سيدار سنغور زعيم الاستقلال، وسار عليه كل الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم. وجرى التوافق على هذا النظام لمنع أي صراع داخل بيت الحكم كما حصل في سنوات الاستقلال الأولى. هذه النقطة عززت الخلاف بين الرجلين، فالرئيس يرى أن السلطة مركزة في يده، وعلى رئيس الوزارة العمل بتوجيهات الرئيس، بينما يرى رئيس الوزراء، أنه مؤسس الحزب والزعيم الحقيقي، فيريد أن يكون رئيس وزراء في جلباب رئيس جمهورية.. وقد أدت هذه الخلافات إلى تعاظم المواجهات بين الرجلين رغم جهود الوساطة التي قام بها كثير من المشفقين على مستقبل الحكم في السنغال، وأدى الخلاف في أيامه الأخيرة إلى شلل العمل في دولاب الدولة، مما دفع الرئيس بشيرو فاي لإتخاذ القرار الأصعب في فترة حكمه وهو إقالة معلمه وصديقه عثمان سونكو من منصب رئيس الوزراء.
ولكن الاقالة فتحت الباب لمرحلة جديدة من المواجهة داخل بيت السلطة في السنغال، لأن حزب باستيف يسيطر على معظم مقاعد البرلمان، وتأكيداً لدعم البرلمان لرئيس الوزراء المقال، قدم رئيس البرلمان إستقالته وعقد البرلمان جلسة خاصة وانتخب عثمان سونكو رئيساً للبرلمان، فأصبح الرجل الثاني في الدولة بدلاً عن الرجل الثالث عندما كان رئيسا للوزارة، وأصبح بيده قرار الموافقة على سياسات الحكومة وتعيين وزرائها، مما ينذر بأزمة سياسية أكبر في البلاد.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إنما قرر حزب باستيف عدم المشاركة فى الحكومة تماماً، وتحول الحزب بثقله إلى المعارضة، وهى اللعبة التي يجيدها عثمان سونكو، وهكذا تحول الخلاف بين الرجلين إلى مشروع تصفية حسابات سياسية قاتلة للجميع، مما ينذر بخريف ساخن للحكومة الجديدة التى كونها الرئيس بشيرو فاي.
هكذا إنتهت قصة رجلين، جمعهما النضال، وفرقتهما السلطة، فى أول منعطفات السياسة المعقدة، ولكن ما حدث لحزب باستيف شئ مؤسف، فهذا صراع لن يفيد منه أي طرف، وهو خسارة كبيرة للسنغال ولإفريقيا. هذا الحزب يقوده شباب ولد بعد إستقلال السنغال، شباب يؤمن بوحدة أفريقيا، وسيادة الدولة ومحاربة الفساد بكل أنواعه، وإسقاط الطبقة السياسية القديمة المرتبط معظمها بأجندة المستعمر القديم، ولذلك كان السنغاليون، ومن خلفهم كثير من الوطنيين الأفارقة، ينظرون بإعجاب شديد لهذه التجربة الوطنية التي خرجت من رحم الشعب، ومن قاع المدينة، ويعقدون عليها الآمال لبناء أفريقيا الجديدة المتحررة من قيود التبعية للخارج. ولكن مع الأسف فإن الحزب المرشح لمحاربة قطط السياسة السنغالية السمان، أصبح يحارب نفسه، وهذا غاية ما كانت تطمح إليه الدولة العميقة.
ومع ذلك مايزال يحدونا الأمل، ونتطلع إلى أن ينهض العقلاء فى حزب باستيف، والحادبون على مصلحة السنغال، لوقف هذا الصراع الدامي بين إخوة الأمس، حتى لا تنتصر الدولة العميقة، وتنتحر أكبر تجربة وطنية، ديمقراطية، أفريقية، يقودها شباب يتوق للإصلاح، وتقديم نموذج أفريقي وطني جديد، خارج مستنقع السياسة الأفريقية الآسن.