الذاكرة السودانية: سيدتان جميلتان في حياة إبراهيم دقش وكتبه المفقودة

محمد الشيخ حسين

بعض الكتب تتسلل إلى الذاكرة وتركن فيها زمنا طويلا، ويخيل إليك أنك نسيتها تماما، ولكن فجأة تتراءى لك من جديد، وكأنها تجيب عن تساؤلات تحيرك.

لقد انقضت خمسة وعشرين عاماً منذ أهداني الراحل المقيم الإعلامي المخضرم الدكتور إبراهيم دقش في العام 2001م، كتابه المعنون (تلك الأيام)، وقرأته حينئذ في جلسة واحدة، ثم اختفى ذلك الكتاب في ركن الكتب المهداة داخل مكتبتي المتواضعة، وإن تخصص ركنا في مكتبتك للكتب المهداة إليك من مؤلفيها سنة حميدة تعلمتها من أستاذنا الجليل البروفسيور يوسف فضل حسن، فهذا الركن عنده يعكس اهتمامه بمؤلفي الكتب من جهة، ويعبر عن سعادته باتساع حركة النشر والتأليف في البلاد من جهة أخرى. واقع الحال، أن الصحافة السودانية عرفت الدكتور إبراهيم دقش كاتبا صحفيا ضخما، وأحد الناشطين الفاعلين في المجال الثقافي والإعلامي في البلاد منذ مطلع الستينيات، لكن أجد نفسي اليوم في حالة تذكر للراحل دقش وتواصل مع مضمون ذلك الكتاب الذي يقول لنا في 180 صفحة (نحن ناس بنعيش حياتنا الغالية بالنية السليمة).

في (تلك الأيام ـ واحد من جيل الستينيات) نحن أمام رواية واقعية تحررية انقلابية في المفاهيم. رواية يقترب فيها دقش (الرباطابي القح) من طريقة السرد التي تعلمناها من صاحب الفتح الكلي في أدب السيرة الذاتية في السودان القديم والحالي والذي سيولد بعد، الشيخ بابكر بدري. وقد تلمح تميزا لدقش يتمثل في حب التفاصيل التي قد تكون مملة أحيانا. ولعل حب التفاصيل عند دقش ناتج عن مصاهرته لإحدى الأسر العريقة في أم درمان. ومعلوم أن حب التفاصيل عادة متأصلة لدى الأمدرمانيين. وقد نصحني صديق أمدرماني عريق جدا بعدم الحوار مع الأمدرمانيين في التفاصيل، لأنهم إذا دعوك إلى تناول وجبة إفطار من كسرة بملاح شرموط صباح الجمعة سيخيرونك بين (ملاح الشرموط الأخضر أم الأحمر أم الأبيض أم البيج).

بإيقاع سريع وحبكة روائية متصاعدة وبشخصيات تضج بالحركة، ولغة سهلة قريبة إلى الأسلوب الصحفي، يعكس كتاب (تلك الأيام) أحداث الحياة السودانية خلال النصف الأخير من القرن الماضي، وليست تلك الميزة الوحيدة للكتاب، إذ يغوص من خلال النص في أعماق شخصيات بسيطة، تمثل الواقع دون رتوش أو مجاملات، فتحس وكأنهم عينات حقيقية تعكس بأمانة وبصدق ما يعتمل في صدر المجتمع السوداني بمدنه وريفه وقراه، وفي نفس الوقت تضعنا في قلب الأحداث.

ويأتي هيكل الكتاب قريبا من شكل الحبكة السينمائية، فالأحداث تتوالى بسرعة وبإيقاع قوي، أعتمد على تصوير الوقائع من خلال الكلمات والوصف، فيجعل القارئ يتخيل ويجسد الشخصيات والأماكن وكأنها شريط متحرك أمامه، لتصبح مطالعتها ممتعة وشيقة. وتمارس نقدا واعيا وإيجابيا للأحداث الجارية وللمجتمع، كل ذلك من خلال حبكة فنية.

ويدور جزء كبير من أحداث (تلك الأيام) في الريف، حيث عكس نضال العمال والمزارعين من خلال كفاح شخصيات الرواية على المستويين الداخلي والخارجي، أي الصراع الدموي مع توفير لقمة العيش والمعرفة للأبناء، والنضال أيضا ضد جزء كبير من العادات والتقاليد البالية التي تنخر بعظام الشعب، فيزيد ضررها أحيانا عن مساوئ الصراع الدموي. ولهذا فقد تم اختيار شخصيات (تلك الأيام) بعناية تامة، بحيث تمثل مختلف شرائح المجتمع.

الشخصية المحورية في (تلك الأيام) هي والد الدكتور إبراهيم دقش، الذي بدا واضحا أنه يدرك قضية أسرته بأبعادها المختلفة، كان يناضل على جبهتين في سبيل توفير الحياة الكريمة (المرفهة) لأسرته من جهة، وفي سبيل إتاحة فرص التعليم لأبنائه حتى لا يقف الجهل حائلا دون تفوقهم في الحياة من جهة ثانية.

إنه إذن التحرر الداخلي والخارجي في آن واحد، والذي لا بد منهما لأجل سعادة أي أسرة. وإضافة إلى الاعتزاز الشديد الذي يبثه دقش لوالده في ثنايا (تلك الأيام)، فهو يستغرق في التفاصيل التي تبين أن طريقة الوالد في التربية اهتمت بغرس قيم الحياء والفضيلة في الأبناء لكي يهتموا باتباع الطرق الشرعية والاخلاقية في حياتهم.أما الجانب النسوي في (تلك الأيام) فقد تمثل بالعديد من الشخصيات. ورغم أن أبرزهن كانت والدة دقش التي تحملت الكثير من شقاوة وثرثرة الطفل إبراهيم دقش، إلا أن البطلة الحقيقية هي حرمه الدكتورة بخيتة أمين إسماعيل وهي (إحدى بنات أم درمان القيافة حين ارتبط بها)، التي تقف خلف الكثير من النجاحات التي يحققها دقش في الحياة.

وقصة زواج دقش من بخيتة تستحق أن تروى، فقد انتابت عميد أسرة العروس شكوك في شيوعية منسوبة لدقش كادت أن (تطرشق العرس)، لولا تدخل الرئيس الراحل إسماعيل الأزهري الذي تكفل بنبأ نفي شيوعية دقش من الأستاذ عبد الخالق محجوب شخصيا، وهكذا تزوج دقش وبخيتة في حفل محضور شرفه الزعيم الخالد إسماعيل الأزهري. وحتى لا تتوه القصة فقد كان تدخل الرئيس إسماعيل الأزهري مبعثه أن ولي أمر العروس شقيقها الأكبر العميد عثمان أمين كان متزوجاً من كريمة الزعيم الأزهري.

وقائع كتاب (تلك الأيام) ذات أهمية قصوى ولها قيمة تاريخية وتسجيلية. وقد تترك أثرا بالغا على تطور وازدهار النهضة السودانية ومدها بالحيوية والاستمرارية والغزارة. ويدعم هذا الرأي أن اسلوب الدكتور إبراهيم دقش يحتوي على ثلاثة عناصر وهي:

أولا: الأصالة في العواطف المعبر عنها.

ثانيا: الوضوح في التعبير عن هذه العواطف.

ثالثا: إخلاص الكاتب المبدع في العواطف التي يعبر عنها.

على أن المهم أن كتاب (تلك الأيام) يحافظ في جميع فصوله على عمق التناول للقضية المثارة وعلى الإبقاء على العلاقة الشخصية والاحترام المتبادل.

أما المهمة العاجلة، فتتمثل في أن تقوم أسرة دقش بإصدار طبعة منقحة من المجموعة الكاملة من كتبه (المعدومة) في الأسواق الآن، وتنقيح الطبعة يعني أن تضيف الأسرة الكريمة أحداثا ومواقف جديدة غالب ظني أن الراحل دقش قد دونها منذ أيام دراسته في مدرسة حنتوب الثانوية التي درس فيها منذ ايام رجلين عظيمين في حياة أهل السودان هما: جعفر محمد نميري وحسن عبد الله الترابي. رحمهم الله جميعا.

Exit mobile version