فيما ارى
عادل الباز
1
لم يعد الملف السوداني شأنًا داخليًا أو عربيًا فحسب، بل أصبح متداخلًا بعمق مع مواقف دول إفريقية فاعلة، سواء عبر المنظمات الإقليمية، أو عبر الجوار الجغرافي، أو عبر خطوط الإمداد المباشرة. وفي ظل هذا التشابك، أصبحت القارة الإفريقية ساحة حاسمة في ترجيح مسار الصراع. وقد رأينا بوضوح خلال هذه الحرب كيف أدت تدخلات أكثر من عشر دول إفريقية إلى إطالة أمدها، عبر حدود مفتوحة تدفقت منها الأسلحة والمرتزقة لتسعير الحرب في السودان.
السبب الرئيسي الذي جعل بعض الدول الإفريقية تكثف تدخلاتها السالبة في الشأن السوداني هو الدور الذي لعبته دولة الإمارات لصالح المليشيا، إذ تحركت كذراع دبلوماسي مستخدمة علاقاتها واستثماراتها وإمكاناتها المالية في عدد من الدول الإفريقية الضعيفة، وعند بعض الرؤساء الذين لا يترددون في بيع المواقف. هذا الدور لم يجد حتى الآن ما يعادله أو يكبحه في الساحة الإفريقية، ولذلك أدعو في هذا المقال المملكة العربية السعودية إلى لعب دور حاسم في تحييد هذا الموقف الخطير.
2
السعودية ليست غائبة عن الملف السوداني؛ فمنذ اندلاع الحرب في 2023 استضافت منبر جدة، ثم ساهمت في الرباعية الدولية، ثم شهد موقفها تحولًا جذريًا باتجاه دعم الدولة السودانية بصورة أوضح. لكن المطلوب الآن هو نقل هذا التحول إلى الساحة الإفريقية نفسها.
السعودية تمتلك عناصر قوة لا تتوفر مجتمعة لأي طرف عربي آخر في إفريقيا: ثقل اقتصادي واستثماري متنامٍ في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتمويل التنموي، شبكة علاقات سياسية مستقرة خاصة في غرب القارة والقرن الإفريقي، ونفوذ ديني–اجتماعي ممتد عبر المؤسسات التعليمية والدعوية والخيرية. هذه الأدوات، إذا نُسّقت ضمن رؤية واضحة، يمكن أن تتحول إلى أداة توازن إقليمي حقيقي تحدث الفارق.
3
في القمة السعودية الإفريقية التي انعقدت في الرياض في نوفمبر الماضى، أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن ضخ استثمارات سعودية في القارة جديدة تتجاوز 25 مليار دولار، وتأمين وتمويل صادرات بـ10 مليارات دولار، وتقديم تمويل إضافي بـ5 مليارات دولار لإفريقيا حتى 2030. كما تشير الإحصائيات إلى تمويلات تقارب 41 مليار دولار رُصدت للاستثمار في إفريقيا، إضافة إلى استثمارات تُقدَّر بحوالي 15.6 مليار دولار في شرق إفريقيا وحدها. هذه الأرقام ليست للدعاية ، بل أدوات نفوذ حقيقية.
السؤال: هل يمكن للسعودية، بثقلها الاقتصادي والديني، أن تعدّل الموقف الإفريقي بحيث يتحول لصالح الدولة السودانية، أو على الأقل يُحيَّد فلا يُستخدم ضدها؟ في تقديري نعم والسبب
أولًا، لأن السعودية تملك من الثقل المالي والاقتصادي ما يجعل كلمتها مسموعة. يمكنها عبر صناديقها التنموية وشركاتها الكبرى أن تعزز شراكات طويلة المدى في دول ذات تأثير إقليمي، وأن تربط مشاريعها برؤية استقرار إقليمي لا تسمح باستخدام أراضي تلك الدول كممرات إسناد للمليشيا. التحييد هنا لا يعني فرض موقف سياسي مباشر، بل خلق شبكة مصالح تجعل الانخراط ضد السودان مكلفًا وغير مربح، بل وضارًا بعلاقات تلك الدول بأكبر دولة في الخليج وأكثرها وزنًا وتأثيرًا.
ثانيًا، للسعودية نفوذ ديني واجتماعي عميق في المجتمعات الإفريقية المسلمة. الخطاب الديني مؤثر في المزاج العام بشكل كبير، ويمكن توظيف هذا النفوذ لدعم خطاب الاستقرار ووحدة الدولة ورفض التدخلات الخارجية. هذا ليس تدخلًا سياسيًا مباشرًا، بل إعادة توجيه الخطاب نحو قيم سيادة الدولة ورفض الفوضى. النفوذ الديني السعودي ليس مجرد بناء مساجد أو منح تعليمية، بل شبكة ممتدة من خريجي الجامعات، والمراكز الإسلامية، والمؤسسات الخيرية، والعلماء ذوي التأثير المجتمعي.
ثم إن السؤال الأهم: لماذا ينبغي أن تلعب السعودية هذا الدور؟
لأن الأمر لا يتعلق بالسودان وحده. هناك مشروع إماراتي يسعى لتطويق السعودية وإحاطتها بدول تهيمن عليها مليشيات تستخدم لاحقًا كأدوات ضغط، كما حدث في اليمن. فتح أراضي بعض الدول الإفريقية للمليشيا التي تقوض الدولة السودانية يعني في النهاية تقويض بيئة الاستقرار في البحر الأحمر، وهو ما يمس مباشرة الأمن القومي السعودي.
البحر الأحمر ممر حيوي للملاحة والتجارة والطاقة، أي اضطراب في القرن الإفريقي ينعكس فورًا على السعودية. الدول التي تشعل الحروب في خاصرة البحر الأحمر لا تستهدف السودان وحده، بل تضرب توازنات المنطقة بأكملها. لذلك فإن تحييد الموقف الإفريقي ليس خدمة للسودان فقط، بل ضرورة للأمن السعودي ذاته.
4
كيف يمكن تفعيل هذا الدور؟ عبر حراك دبلوماسي اقتصادي منظم يربط الاستثمارات السعودية برؤية استقرار إقليمي واضحة. وقد بدأت مؤشرات ذلك بالفعل؛ فخلال الأشهر الماضية كثف وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان تحركاته في إفريقيا: المشاركة في قمة العشرين بجوهانسبرغ في 22–23 نوفمبر 2025، ثم زيارة القاهرة في 5 يناير 2026 لبحث ملفات البحر الأحمر والسودان، ثم زيارة أديس أبابا في 11 فبراير 2026 ولقاء رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد. هذه التحركات تعكس إدراكًا سعوديًا متزايدًا لأهمية الساحة الإفريقية.
كما يمكن تعزيز التنسيق السعودي–المصري–التركي، وربما القطري، خاصة في القرن الإفريقي، لمنع الفراغ الذي تستغله أطراف أخرى. ويمكن تنشيط أدوات الدبلوماسية الدينية، وتعزيز الشراكات مع المنظمات الإفريقية لتحييدها من تأثير المال الإماراتي.
أخيرًا، السعودية لا تحتاج إلى خوض صراع مباشر في إفريقيا كي تؤثر في مسار الحرب في السودان. يكفي أن توظف نفوذها الاقتصادي والديني لبناء شبكة مصالح تجعل الاستقرار هو الخيار الأقل كلفة والأكثر عقلانية للدول الإفريقية. في عالم تحكمه المصالح، يصبح النفوذ الناعم سلاحًا حاسمًا. وإفريقيا اليوم ليست هامشًا في معادلة السودان، بل إحدى مفاتيحها الأساسية.