”الدهابة”.. مناجم سودانية تؤوي ملايين الباحثين عن “المنقذ الاقتصادي”
Mazin
الأحداث – تقرير
حقق سودانيون طفرة اقتصادية كبيرة من خلال جني المال من تعدين الذهب طوال السنوات الماضية، ومع ذلك تبدو هذه الأنشطة أمام تحديات أمنية جديدة، لا سيما خلال الحرب بين الجيش والدعم السريع.
يُسمى الباحثون عن الذهب محلياً بـ “الدهابة”، يستقلون الشاحنات للتنقل من منطقة إلى أخرى حيث تحولت مناطق واسعة إلى أسواق ومراكز لطحن الصخور وتصفيتها من الذهب الخالص الذي يباع أحياناً في ذات المواقع من قبل شركات لديها مكاتب صغيرة.
قال المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية محمد طاهر عمر إن حوالي 6 ملايين شخص يعملون في التعدين التقليدي داخل البلاد، مشيراً في كلمة له أمام مؤتمر للمسؤولية الاجتماعية الشهر الماضي إلى أن أنشطة التعدين الأهلي تعدت على بعض المربعات التي تخص الشركات.
وقبل صدور هذا التصريح، كان وزير المعادن نور الدائم طه قد صرح في مؤتمر خلال أغسطس الماضي بأن الدولة وضعت استراتيجية لإنتاج الذهب عبر الشركات والقطاع المنظم خلال الـ 3 سنوات القادمة، كما أوضحت الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية الحكومية أن عدد الولايات المنتجة للمعادن والنشطة تقلصت إلى 6 ولايات من جملة 18 ولاية خلال الحرب بسبب الوضع الأمني.
في محطات صغيرة للحافلات، يركض عشرات العمال إلى شاحنة كبيرة بغرض الوصول إلى مناطق خلوية، وتتزايد هذه الأنشطة شمال وشرق السودان خلال العامين الأخيرين إذ إن هذا القطاع التقليدي ينتج قرابة 80% من ذهب السودان.
لا يمكن النظر إلى المناطق الشاسعة الممتدة من الشمال إلى شرقي البلاد كمجرد فضاء جغرافي، بل تحتوي على احتياطيات ضخمة من الذهب، حيث حولها عشرات الآلاف من المعدنين إلى أعماق سحيقة بحثاً عن المعدن الأصفر ومراكز تجارية عملاقة بحركة أموال تصل إلى ملايين الدولارات.
هذا النشاط جذب مئات الآلاف من العاطلين عن العمل، بما في ذلك مجموعات من طلاب الجامعات خلال فترة العطلات لتحسين الوضع الاقتصادي لعائلاتهم، وربما تجد مئات الأطفال الذين يعولون أسرهم بين أفواج المعدنين وهم يضربون الأرض بحثاً عن الذهب.
تعادل الولاية الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر مساحة بلدين من الاتحاد الأوروبي على الأقل، وفي مناطقها الخلوية يحول المعدنون الأرض إلى مناجم للذهب؛ حيث تتراوح أوضاع العمال ما بين الثراء السريع أو الانتظار لأشهر طويلة إلى حين العثور على “قنطار من الحظ” لتجود الأرض لهم بالمعدن النفيس.
لا يقتصر التعدين على المناجم فحسب، بل إن الخدمات اللوجستية هي الأخرى أصبحت محط اهتمام مئات الآلاف من المعدنين، مثل استئجار الآليات التي تتولى أعمال الحفر في بعض الصخور الصلبة عندما تتعثر المعاول عن الطرق.
تتعلق آمال “الدهابة” بجهاز يحملونه يصدر صفارات حال اكتشاف الذهب قبل أن تبدأ عمليات الحفر، لكن أيضاً لا يمكن التعويل عليه منفصلاً، ففي بعض المناطق يعمل عمال أصبحت لديهم خبرات متراكمة في تحديد مواقع غنية بالمعدن الأصفر من نظرة فاحصة فقط.
يرتبط البحث عن الذهب في السودان بالإنفاق على تكاليف الزواج لدى قطاع عريض من المعدنين في ظل شح فرص العمل واتساع رقعة البطالة كما يقول المحللون الاقتصاديون، كما يرتبط أيضاً بتمويل دراسة الأطفال والطعام والاحتياجات الأساسية.
تعتمد الحياة في مناطق التعدين على ممارسة تشبه “الأخوية”، فالمعدنون يتعاملون بمفهوم الحفاظ على المنطقة وتأمين المصالح الاقتصادية، وهذا ما يجعل مناطق التعدين آمنة مقارنة مع تجمع الآلاف في موقع واحد بحثاً عن المعدن النفيس.