

فيما أرى
عادل الباز
1
يبدو لي أن الرئيس البرهان قرر بعد صبر طويل أن يرسل الحكومة لترعى غنم إبليس، على أنني لا أعرف لإبليس غنمًا، ولا أعرف ما إذا كان قد رعى غنمًا من قبل. لم أجد في الأثر أي ذكر لغنم إبليس هذا… وقد فسّر العارفون المثل على ثلاثة مستويات:
1. المستوى الأول: الحكومة ترعى قطيعًا لا وجود له، أي إنها تمارس عملًا بلا موضوع أو غاية.
2. المستوى الثاني: تنشغل بأمور لا تنتج فائدة للناس، وكأنها تعمل في الفراغ.
3. المستوى الثالث: تبدو الحكومة وكأنها تؤدي وظيفة، لكن لا توجد نتيجة ملموسة لهذا العمل.
حسنًا… من أين لك أن سيادة الرئيس قد قرر ذلك؟ سؤال وجيه. انظر، يا هداك الله، ليس كل القرارات تصدر عبر مراسيم، إنما هناك قرارات خطيرة تصدر «تحت تحت»، لا يعلم بها الجمهور إلا بعد مرور زمن طويل قد يمتد سنوات. وهناك قرارات لا تصدر أصلًا، ولكنها تُمارَس في الواقع؛ فمثلًا، حين يتولى السيد الرئيس الصرف على إصلاح الكهرباء وعلى الزراعة، ويصدر أوامر من اختصاص وزارتَي التجارة والمالية، ويعيّن للزراعة مشرفًا (إبراهيم جابر)، وللنفط كذلك (الفريق كباشي)، ويتولى بنفسه مسؤولية إدارة ملف النفط، فإن كل ذلك يشير إلى أنه قرر أن يرسل الحكومة لترعى غنم إبليس.
2
لقد كفاني الصديق الطاهر ساتي الخوض في تفاصيل قرارات الرئيس التي تثبت أنه أرسل الحكومة لترعى غنم إبليس. ولكن ما يهمني هو: ماذا بعد إرسالها إلى هناك؟ هل يستطيع الرئيس إدارة الدولة وحده؟ هل يستطيع إدارة شؤون الحرب، وتعقيدات الاقتصاد، ومؤامرات السياسة الداخلية والخارجية وحده، واتخاذ القرارات الصحيحة بشأنها؟
إذا اعتقد في أي لحظة أن ذلك ممكن، فعليه أن يعلم أن ذلك وهم ينبغي أن يتخلص منه فورًا. لا يوجد في التاريخ مثال واحد يشير إلى أن رئيسًا ما، مهما أُوتي من قوة وحكمة ومحبة الشعب، يستطيع أن يدير دولة بتعقيدات السودان وحده، أو حتى بفريق صغير.
3
لقد عجزت الإنقاذ عن إدارة الدولة حين أفرغ الرئيس البشير الدائرة من حوله، وظن أن بوسعه أن يحكم وحده، فكانت النتيجة كما رأيتموها. ورغم تفكك الإنقاذ من الداخل، كانت لا تزال هناك دولة يسندها أناس مخلصون، يعملون الليل والنهار لخدمة الشعب من خلال غرف لا تعرف النوم. ولكن سياسات خاطئة تتعلق برغيف الخبز أشعلت الحريق في جسد الوطن، تمامًا كما احترق جسد بوعزيزي في تونس فأشعل الثورة.
4
الآن يتلفت المواطن، فلا يجد خبزًا، ولا بترولًا، ولا مواصلات، ولا كهرباء… باختصار، إنه لا يجد حياة يمكن أن يعيشها، ثم لا يجد حتى أملًا في حكومة الحيطة هذه، التي سُمّيت كذبًا «حكومة الأمل».
هل يحتاج الرئيس البرهان إلى إثبات لفشل هذه الحكومة أكثر مما يجري الآن؟ ما الأسوأ الذي ينتظره سيادة الرئيس حتى يرسل هذه الحكومة إلى المكان الذي تستحقه؟ هذه حكومة قال فيها الواقع كلمته، وكل يوم يؤكد الشعب أنه لا يُرجى منها خير، وقد أضحت موضع سخريته. ثم إن العالم لا يزال يسخر منها منذ أن تكوّنت إلى الآن، ويعتبرها مجرد «Puppet Government». لقد عجزت، خلال عام ونيّف، عن إقناع الشعب بكفاءتها في أي مجال.
5
إذا اعتقد الرئيس البرهان أن هذه الحكومة الرثّة يمكن أن تمثل له درقة أو درعًا يقيه سهام النقد، فإنه واهم أيضًا. هذه الحكومة لا تغطي أي شيء، بل تجعل حتى المؤسسة العسكرية مكشوفة تمامًا وعرضة للنقد، رغم أنها تخوض حربًا وتتمتع بدعم الشعب. هذه حكومة، يا سيادة الرئيس، ليس لها نفع لك، ولا للجيش، ولا للشعب، والاحتفاظ بها أكثر من ذلك سيدفع ثمنه الجميع.
المطلوب ليس تبديل الوجوه والإبقاء على الطريقة نفسها. المطلوب حكومة معلومة الصلاحيات، واضحة المسؤوليات، لها برنامج معلن وأولويات قابلة للقياس، ويُحاسَب وزراؤها على ما ينجزون.
6
لا يجدي أن ترسل الحكومة لترعى غنم إبليس («تقعد ساكت»). الأفضل أن ترسلها إلى المكان الذي تستحقه فورًا، وبأعجل ما تيسّر. إن الاحتفاظ بجثة، يا سيدي الرئيس، أملًا في إفاقتها، لن يعيدها إلى الحياة؛ فأنت، سيدي، لا تحيي الموتى، والشعب لم يعد بمقدوره أن ينتظر المعجزات. لقد يئس تمامًا… وغالبًا، يا سعادة الرئيس، ما يكسب اليأس المعارك.
هل تسمعني؟ ظللنا نبذل نصحنا للرؤساء من موقع محبة وإشفاق عليهم وعلى البلد ولكن، للأسف، لا يسمعون نصحنا إلا بعد ضحى الغد. الله غالب.