ليس كل سجن تحيط به الجدران ، ولا كل قيد تصنعه السلاسل ، فهناك سجون تُبنى داخل الإنسان من الجهل والخوف والتقليد والكسل الفكري والاستسلام للواقع ، وقد يتحرك الإنسان بحرية ، لكنه يظل أسيراً لأفكار وعادات ومخاوف اعتادها حتى أصبح يخشى الخروج منها .
وهنا يأتي مفهوم «الحظائر البشرية» ، وهي تلك الحدود التي يصنعها الإنسان لنفسه ، أو يشارك المجتمع في بنائها ، ثم يألفها حتى يظن أنها قدر لا يمكن تغييره ، فقد يتبنى الإنسان فكرة لأنه ورثها ، أو يسلك طريقاً لأن الآخرين سبقوه إليه ، دون أن يسأل : هل ما أفعله صحيح ، أم أنني أفعله فقط لأنني اعتدته ؟
ليست المشكلة في الموروث أو في الاستفادة من أصحاب الخبرة ، وإنما في أن يتحول الموروث أو رأي الآخرين إلى بديل عن العقل ، فالإنسان الواعي يستمع ويتعلم ويستشير ، لكنه يحتفظ بحقه في السؤال والتحقق والمراجعة .
ومن أخطر الحظائر الكسل الفكري ، حين تصبح الإجابة الجاهزة أسهل من البحث ، وترديد آراء الآخرين أريح من تكوين رأي مستقل ، وهنا تتحول الأمية من مجرد نقص في المعرفة إلى عجز عن السؤال والتفكير والتمييز بين الحقيقة والرأي .
وفي عصر العولمة ظهرت حظائر حديثة بلا جدران ، فمواقع التواصل والتطبيقات والألعاب الإلكترونية ، رغم فوائدها ، قد تتحول مع الإفراط إلى دوائر مغلقة تستنزف الوقت والانتباه ، وتقدم للإنسان باستمرار ما يوافق ميوله وأفكاره ، وقد ينتقل من تقليد الجماعة إلى تقليد المؤثرين ، ومن ضغط المجتمع إلى ضغط الإعجاب والمشاهدة .
وهنا السؤال : هل نحن نستخدم التقنية بإرادتنا ، أم بدأت تستخدم وقتنا وانتباهنا بالنيابة عنا ؟
وفي السودان ، أضافت الحرب حظيرة أخرى أكثر خطورة : حظيرة اليأس ، فالنزوح والفقد والفقر وتعطل التعليم وتراجع فرص العمل قد تدفع الإنسان إلى الانتظار ، فيؤجل التعلم والعمل والمبادرة إلى ما بعد الحرب ، لكن الحرب مهما كانت قسوتها لا ينبغي أن تنتصر داخل الإنسان أيضاً .
إن إعادة بناء السودان لا تبدأ فقط عندما تتوقف الحرب ، بل تبدأ من الآن ، تبدأ من شاب يتعلم ، ويكتسب مهارة ، ويعمل ، ويزرع ، وينتج ، ويطلق مشروعاً صغيراً ، أو يؤسس مبادرة ، فالأوطان لا تُبنى بالحجر وحده ، وإنما بالإنسان القادر على إعادة بناء الحياة .
ولكسر الحظيرة ، علينا أن ننتقل من دائرة الجهل والتقليد والخوف والانتظار إلى دائرة :
سؤال → معرفة → تفكير → تجربة → عمل → إنتاج .
وهنا تأتي رسالتي إلى شباب السودان :
اكسروا الأسوار .
لا تجعلوا الحرب والخراب واليأس والكسل والإدمان على الشاشات تصادر مستقبلكم ، لا تنتظروا الظروف المثالية ، فالأوطان تُبنى أيضاً في أصعب الظروف ، عندما يقرر الإنسان أن يكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة .
اعملوا ، تعلموا ، ابتكروا ، ازرعوا ، أنتجوا ، وأسسوا مشروعاتكم ، ولا تنظروا إلى العمل اليدوي باعتباره عيباً ، ولا إلى الوظيفة الحكومية باعتبارها الطريق الوحيد للحياة .
أخطر الحظائر هي التي نحرسها بأنفسنا ، لذلك لا نسأل فقط : من يقيدنا ؟ بل نسأل : ما القيود التي قبلنا بها ، ولماذا ما زلنا نحرسها ، ربما لا يحتاج الباب الذي نظنه مغلقاً إلى كسر ، بل إلى أن ندفعه ، ثم نمضي : نفكر ، نتعلم ، نعمل ، ننتج ، ونبني .
فالسودان لا يحتاج إلى جيل من المنتظرين ، بل إلى جيل يكسر الحظائر ، ويستعيد زمام المبادرة ، ويضع لبنات المستقبل بيديه ، فهذا الوطن ، رغم جراحه ، يستحق جيلاً لا ينتظر بناء السودان ، بل يبدأ في بنائه، سودان شامخ عظيم ، يستحق أن نكون أبناءه .