الحرب الثلاثية والاقتصاد العالمي: من مضيق هرمز إلى أسواق الغذاء والطاقة.. كم يخسر العالم كل يوم!؟
Mazin
السفير.د.معاوية البخاري
لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مجرد مواجهة عسكرية ذات أبعاد سياسية وأمنية، بل تحولت إلى عامل مؤثر في الاقتصاد العالمي بأسره. فكلما تصاعدت العمليات العسكرية أو ارتفعت حدة التهديدات المتبادلة، اتسعت دوائر القلق في أسواق المال والطاقة والتجارة الدولية، وأصبحت كلفة الحرب تُقاس ليس فقط بعدد الصواريخ والطائرات المستخدمة، وإنما أيضاً بمليارات الدولارات التي تفقدها الأسواق يومياً نتيجة الاضطراب وعدم اليقين.
ويكمن جوهر المشكلة في أن مسرح الحرب يقع في منطقة تمثل القلب النابض للطاقة العالمية، وممراً حيوياً للتجارة البحرية الدولية، ومركزاً لتدفقات النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية التي تعتمد عليها معظم الاقتصادات الصناعية الكبرى.
هرمز.. العقدة التي يخشاها العالم
تتمثل أخطر تداعيات الحرب في احتمال تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال القادمة من الخليج العربي.
ولذلك فإن مجرد التلويح بإغلاق المضيق أو استهداف الملاحة البحرية يضيف ما يعرف اقتصادياً بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية”، وهي الزيادة التي تطرأ على أسعار النفط نتيجة المخاوف وليس نتيجة نقص فعلي في الإمدادات.
وقدرت مؤسسات مالية دولية أن أي تعطيل جزئي للمضيق قد يدفع أسعار النفط إلى ما بين 100 و130 دولاراً للبرميل، بينما قد تتجاوز الأسعار 150 دولاراً إذا تعرضت الإمدادات الخليجية الرئيسية لانقطاع واسع النطاق.
أما الغاز الطبيعي، فإن الأسواق الأوروبية والآسيوية تراقب التطورات بقلق بالغ، نظراً لاعتمادها المتزايد على صادرات الغاز المسال القادمة من الخليج بعد تقليص الاعتماد على الغاز الروسي.
خسائر مباشرة في التجارة والشحن
تؤدي الحروب في الممرات البحرية إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين فوراً.
فشركات التأمين ترفع أقساطها على السفن العابرة للمناطق الخطرة، بينما تضطر بعض شركات الشحن إلى اتخاذ مسارات أطول وأكثر تكلفة.
وقد شهد العالم نموذجاً مشابهاً خلال أزمة البحر الأحمر، حين ارتفعت تكاليف الشحن بين آسيا وأوروبا عدة أضعاف، وانعكس ذلك على أسعار السلع الاستهلاكية والصناعية.
وفي حال استمرار الحرب الحالية أو توسعها، فإن التجارة العالمية قد تواجه خسائر بمئات المليارات من الدولارات نتيجة تأخير الشحنات وتعطل سلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة النقل.
المعادن الاستراتيجية تحت ضغط النار
تعتمد الصناعات الحديثة على تدفقات مستقرة من المعادن الأساسية والاستراتيجية.
وتتأثر أسعار الحديد والألمنيوم والنحاس والزنك والنيكل بصورة مباشرة بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.
ويُعد الألمنيوم مثالاً واضحاً على ذلك، إذ تعتمد صناعته على كميات ضخمة من الكهرباء، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار الطاقة سبباً مباشراً لارتفاع أسعاره عالمياً.
كما يُعد النحاس أحد أكثر المعادن حساسية للتطورات الحالية، نظراً لدوره المحوري في الصناعات الكهربائية والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الحديثة.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن استمرار التوترات قد يرفع أسعار بعض المعادن الصناعية بنسبة تتراوح بين 10 و25 بالمائة خلال الأشهر المقبلة.
صناعة السيارات بين نقص المكونات وارتفاع التكلفة
تعلمت شركات السيارات دروساً قاسية خلال جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، لكنها تجد نفسها اليوم أمام تحديات جديدة.
فارتفاع أسعار المعادن والطاقة والشحن ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج.
كما أن أي اضطراب إضافي في سلاسل التوريد قد يؤدي إلى نقص بعض المكونات الصناعية الدقيقة، خصوصاً تلك المرتبطة بالإلكترونيات والبطاريات.
وتواجه شركات السيارات الكهربائية ضغوطاً إضافية بسبب حساسيتها الكبيرة لأسعار النحاس والألمنيوم والليثيوم.
وقد يؤدي استمرار الحرب إلى تباطؤ نمو قطاع السيارات العالمي خلال السنوات المقبلة.
الطيران المدني وصناعة الطائرات
تواجه شركات الطيران العالمية معضلة مزدوجة:
الأولى تتمثل في ارتفاع أسعار الوقود.
أما الثانية فتتمثل في زيادة تكاليف التشغيل نتيجة تغيير المسارات الجوية وإغلاق بعض الأجواء الإقليمية.
وتشير تقديرات قطاع الطيران إلى أن كل زيادة بمقدار عشرة دولارات في سعر برميل النفط تترجم إلى مليارات الدولارات من النفقات الإضافية لشركات الطيران سنوياً.
كما تتأثر شركات تصنيع الطائرات بارتفاع أسعار الألمنيوم والتيتانيوم والمواد المركبة المستخدمة في الصناعات الجوية.
الصناعات الكهربائية والتكنولوجية
تعتمد الثورة الصناعية الرابعة والتحول الرقمي على شبكات كهربائية متطورة ومعادن استراتيجية وأسواق مستقرة.
ومع ارتفاع أسعار النحاس والألمنيوم والطاقة، تواجه الصناعات الكهربائية والإلكترونية تحديات متزايدة.
ويشمل ذلك:
•شبكات الكهرباء.
•مراكز البيانات.
•معدات الاتصالات.
•أنظمة الطاقة المتجددة.
•الصناعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وكل ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التحول الطاقوي الذي تتبناه العديد من الدول الصناعية.
الغذاء.. الحلقة الأضعف
رغم أن الحرب لا تدور فوق الحقول الزراعية، فإن آثارها تمتد بسرعة إلى موائد المستهلكين.
فأسعار الغذاء ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأسعار الطاقة والنقل والأسمدة.
وتعتمد صناعة الأسمدة النيتروجينية بصورة رئيسية على الغاز الطبيعي، ما يجعل ارتفاع أسعار الغاز سبباً مباشراً في ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي.
وتواجه الدول النامية والمستوردة للغذاء مخاطر مضاعفة، خصوصاً في إفريقيا والشرق الأوسط.
وقد تحذر المؤسسات الدولية من موجة جديدة من التضخم الغذائي إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
البتروكيماويات.. الصناعة التي تمس كل شيء
تكاد لا توجد صناعة حديثة لا تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على المنتجات البتروكيماوية.
فالبلاستيك والألياف الصناعية والمطاط الصناعي والمواد الكيميائية تدخل في إنتاج آلاف السلع اليومية.
ومع ارتفاع أسعار النفط والغاز ترتفع تلقائياً تكاليف هذه الصناعات، وهو ما ينعكس في النهاية على المستهلك النهائي.
البورصات العالمية بين الخوف والمضاربة
تاريخياً، تمثل الحروب الكبرى بيئة مثالية لزيادة التقلبات في الأسواق المالية.
فالمستثمرون يهربون عادة نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار والسندات الحكومية.
وفي المقابل تتعرض قطاعات النقل والطيران والصناعة لضغوط متزايدة.
أما شركات الطاقة والصناعات الدفاعية فتستفيد غالباً من أجواء التوتر والتسليح.
وقد فقدت الأسواق العالمية عبر الأزمات الجيوسياسية الكبرى تريليونات الدولارات من قيمتها السوقية خلال فترات قصيرة قبل أن تستعيد جزءاً من خسائرها لاحقاً.
الصين وأوروبا.. الأكثر قلقاً
تُعد الصين أكبر مستورد للطاقة في العالم، ولذلك فإن أي اضطراب في الخليج العربي يمثل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي.
كما تعتمد الصناعات الصينية على تدفقات مستقرة من النفط والغاز والمواد الخام.
أما أوروبا، التي لم تتعافَ بالكامل من آثار أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، فإنها تخشى من موجة جديدة من ارتفاع الأسعار والتضخم قد تعرقل النمو الاقتصادي.
ماذا عن العالم العربي؟
تختلف التأثيرات من دولة إلى أخرى.
فالدول المصدرة للنفط قد تستفيد مؤقتاً من ارتفاع الأسعار وزيادة الإيرادات.
لكن هذه المكاسب قد تتراجع إذا أثرت الحرب على حركة التجارة والاستثمار أو رفعت تكاليف التأمين والشحن.
أما الدول المستوردة للطاقة والغذاء مثل مصر والأردن وتونس والمغرب والسودان، فإنها تواجه ضغوطاً أكبر على الموازنات العامة وأسعار السلع الأساسية.
وبالنسبة للسودان، فإن استمرار الاضطرابات العالمية يضيف أعباء جديدة على اقتصاد أنهكته الحرب الداخلية، من خلال ارتفاع أسعار الوقود والقمح ومدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي.
إلى أين يتجه المشهد؟
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: احتواء الصراع واستمرار الاشتباك عند حدود معينة، وهو ما يبقي الأسواق في حالة قلق دون انهيارات كبيرة.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة تؤدي إلى ارتفاع مستمر في أسعار الطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.
السيناريو الثالث: توسع الحرب وإغلاق أو تعطيل مضيق هرمز أو استهداف منشآت الطاقة الكبرى، وهو السيناريو الأخطر الذي قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي جديد يشبه أزمات سبعينيات القرن الماضي.
خاتمة
تكشف الحرب الثلاثية مرة أخرى هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية. فالعالم الذي ربطته العولمة بشبكات معقدة من الطاقة والتجارة والإنتاج، أصبح أكثر عرضة لتأثير الأزمات الإقليمية من أي وقت مضى. ولذلك فإن مستقبل الاقتصاد العالمي خلال الأشهر المقبلة لن يتوقف على قرارات البنوك المركزية وأسعار الفائدة فحسب، بل سيتوقف أيضاً على ما ستؤول إليه المواجهة الدائرة بين واشنطن وتل أبيب وطهران، وعلى قدرة الدبلوماسية الباكستانية القطرية في منع تحولها إلى أزمة عالمية مفتوحة..