عبد الله علي إبراهيم
ملخص
(ولا تظهر العزة بجامعة الخرطوم واستقلاليتها التي شكت منها وزارة التعليم العالي كما هي في تعليق وزير التربية والتعليم في الحكومة الانتقالية والكاتب المواظب في الشأن التعليمي الدكتور محمد الأمين التوم. فمع أنه أخذ على رباح امتناعه عن تفصيل بواعثه على الاستقالة كما تقدم، إلا أنه مصدق عنده لأن عاهة التزوير التي شكا منها مما جاءت به دولة الإنقاذ. وجاء محمد الأمين إلى مربط الفرس في هذا النزاع وهو علو جامعة الخرطوم عما يصفون من غثاثة الإنقاذ، فقال إن “جامعة الخرطوم ما زي أي مؤسسة، دي مؤسسة عندها خصوصية، عندها تاريخها، وعندها إرثها، وعندها قيمتها للبلد”.
لما غلب التسيس على الخطاب حول استقالة الدكتور عبد الرحمن علي رباح، عميد الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، راح بين الأرجل بيان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووثائقه الملحقة في الرد عليه. فجاء البيان، اتفقت معه أو لم تتفق، بتعيين وجوه الخصومة بين الوزارة وجامعة الخرطوم والجامعات الكبيرة الأخرى بما ينأى بنا عن الهرج الذي استثارته الاستقالة كما تقدم.
فبدا من بيان وزارة التعليم العالي أن الذي بينها وبين رباح، ممثلاً لجامعة الخرطوم، هو نزاع حول من يكون له الاستيثاق من الشهادة الجامعية. فالخلاف قائم بين الوزارة التي تقول إنها، قانوناً، المنصة الوطنية المركزية لإيداع بيانات الشهادات الجامعية وبين نازع وصفته بـ”الاستقلالية” عند بعض الجامعات التي تريد أن تستقل بهذا الإيداع وما يترتب عليه من توثيق شهاداتها لطالب هذه الخدمة. وتستند الوزارة في حجتها إلى الجامعات الكبيرة في الأمر ببينة قانون “قانون تنظيم التعليم العالي والبحث العلمي، 2009” ولائحة “تنظيم مؤسسات التعليم العالي والخاص والأهلي والأجنبي، 2023” اللذين خصاها بإدارة القبول وتقويم وتوثيق الشهادات عن طريق آلية تربط بين وزارة التعليم العالي ووزارة الخارجية والسفارات السودانية.
ومن فوق نزاع استحقاق كل من الوزارة وجامعة الخرطوم في توثيق الشهادات اصطرع رباح مع الوزارة حول:
رفض رباح إيداع شهادات تفاصيل خريجي جامعة الخرطوم بدعوى استقلالية جامعة الخرطوم.
ورفض أن يمهر شهادات جامعات الخرطوم بالتوقيع والأختام الحية وفقاً للنظام الرقمي الذي استنته الوزارة عملاً باختصاصها في تقويم الشهادات وتوثيقها. وزكت الوزارة نظامها في مصطلح للتشفير لا يأذن بتفاصيله الموضع لتصف ما تواضعت عليه الجامعة، من جهة أخرى، بأنه “نظام هش” لا صدقية له.
واعترض رباح على قرار الوزارة ألا تقبل شهادات من جامعة إلا مصحوبة بالتقديرات الأكاديمية، فطلب ضمن خطاب إلى الوزارة في التاسع من مايو (أيار) 2024 توثيق شهادات خريجي الدفعة 23-24 من دون تضمين التقديرات الأكاديمية على أن تعدل، في قوله، لاحقاً بالتقدير. ولم تقبل الوزارة منه ذلك لأنه، في قولها، خرق للصدقية.
وحيال تمسك جامعة الخرطوم بالاستقلالية، زكت الوازرة المنصة الوطنية بأنها هي التي أسعفت جامعة الخرطوم نفسها حين تعطلت نظم توثيقها خلال الحرب. فكان رباح طلب من الوزارة بيانات المقبولين والخريجين، فحصل عليها فبعث بخطاب في الأول من نوفمبر عام 2024 إلى الوزارة عبر فيه عن امتنان الجامعة لها لإسعافها من المنصة الوطنية بما طلبت، مما انعكس إيجاباً في قوله على تمكين الخريجين من الحصول على شهاداتهم عبر النظام الإلكتروني للشهادات، وتمكينهم من الدخول إلى سوق العمل الداخلية والخارجية لمساعدة أهلهم في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها بلدنا. وأسعفته المنصة الوطنية مرة أخرى بعد عطل في نظام الجامعة للقبول والتسجيل صعب عليه القيام بالعمليتين إلكترونياً. فوفرت له المنصة سجل القبول للأعوام من 2012 إلى 2022 فاستأنف عمله.
ولا تظهر العزة بجامعة الخرطوم واستقلاليتها التي شكت منها وزارة التعليم العالي كما هي في تعليق وزير التربية والتعليم في الحكومة الانتقالية والكاتب المواظب في الشأن التعليمي الدكتور محمد الأمين التوم، فمع أنه أخذ على رباح امتناعه عن تفصيل بواعثه على الاستقالة كما تقدم، إلا أنه مصدق عنده لأن عاهة التزوير التي شكا منها مما جاءت به دولة الإنقاذ حتى تولت توثيق شهادات جامعاتها شركات توثيقاً مستقلاً تأمن به المؤسسات من دون تشغيل خريج كذوب بها. وقاومت جامعة الخرطوم من دون تسرب ذلك التزوير إلى أروقتها. وعليه اعترضت، في قوله، على أن يكون لوزارة التعليم العالي دخلاً في توثيق شهاداتها. وذلك ما دعا رباح، في قوله، إلى الاحتجاج ورفع الأمر إلى مدير الجامعة الذي كون لجنة تتحقق في الأمر وتفصل فيه بلا طائل. وبدا لمحمد الأمين أن رباح ربما صار، والحال على ما هي عليه، على خيار إما أن يدير وجهه للجانب الآخر من الفساد أو يتطلب الله مستقيلاً. فاختار الاستقالة. وجاء محمد الأمين إلى مربط الفرس في هذا النزاع وهو علو جامعة الخرطوم عما يصفون من غثاثة الإنقاذ، فقال إن “جامعة الخرطوم ما زي أي مؤسسة، دي مؤسسة عندها خصوصية، عندها تاريخها، وعندها إرثها، وعندها قيمتها للبلد”. وأضاف أن أهل الهجمة التي جاءت من الخارج لتفسد جامعة الخرطوم لا يعرفون أقدار الرجال، فاستقالة رباح هي من عزة الجامعة بمأثرتها في البلد.
من الغلو السياسي، بل اللغو، المطابقة بين جامعة الخرطوم والإنقاذ حذو النعل بالنعل كما في أدبيات الحملة الثأرية على الإنقاذ بعد استقالة رباح. فهي هي والعكس صحيح. وهذا طريق قصير للتهوين من المؤسسات المهنية بتصويرها على أنها عالة على النظام السياسي لا إرادة لها بغيره. وهذا بخلاف ما جاء عند الباحث الأطول باعاً في دولة الإنقاذ الإسلامية الدكتور عبدالله جلاب الذي قال إن المؤسسة البيروقراطية والمهنية لم تستسلم بالكلية للإنقاذ واعتصمت بمهنيتها الجريحة. فحتى عمليات الإحالة إلى المصلحة العامة (التطهير) التي تواترت على عهد الإنقاذ كشفت عن متانة هذه المؤسسات بأكثر من تهافتها كما هي صورة جامعة الخرطوم في الكتابات التي ناصرت رباح. فتلك المؤسسات، في قول جلاب، استأنست حتى الإسلاميين فيها من دون الإفراط في التبذل في مهنيتهم، معتصمين بما سماه جلاب “دين السودانيين المدني” المستقي من حليب التقاليد النقابية الحية التي ترعرعت هذه المؤسسات نفسها عليها في معارضة أنظمة الحكم العسكري. فعادة المعارضة، كما قال أحدهم، بخلاف عادة الصائغ. فالمعارضة اليائسة تكنس أوساخها جميعاً إلى الخارج كما رأيناها تفعل في الجامعة والإنقاذ معاً، بينما يكنس الصائغ أوساخه إلى داخل دكانته لعل فيها شريحة ذهب باقية. عسى.
كان العراك حول استقالة رباح كئيباً عشية بدء موسم الدراسي في “الجميلة ومستحيلة”، فمن بين كل من نهضوا لنصرة رباح ظالماً ومظلوماً كان رباح وحده من سهر من بين غادرهم ليومنا في الجامعة والوزارة لاستعادة الجامعة بعد عامين من براثن الخراب. ولم نسمع من أي ممن تكأكأوا على استقالته من أشرق بحسرة على غيابها أو تفقد مكتبتها، أو افتقدها، ومعاملها وسجلاتها ليطمئن قلبه. فكانت قامت حملة تلقائية لخريجيها لإماطة أذى الحرب من عليها ولم يكُن فيهم مثلاً اتحاد خريجي الجامعة الذي جاء يعرض في موكب ذمها. وبدا لي أن رباح نفسه استدرك هذه الصحبة الغريبة من حوله، فعاد في رسالة ثانية يذكر زمالة وثيقة في الجامعة استعادت بها نفسها من غيهب الحرب بجهود كبيرة:
“ثم بتكاتف الزملاء في مختلف الإدارات في ظروف استثنائية بالغة القسوة والتعقيد، لقد عملنا خلال هذه المرحلة العصيبة على ملفات محورية شملت الشهادات الإلكترونية والتعليم الإلكتروني وتنظيم الامتحانات وحماية السجل الأكاديمي وغيرها من القضايا المصيرية ونجحنا إلى حد كبير في إرساء قدر عالٍ من التناغم المؤسسي والعمل الجماعي المسؤول بما حافظ على حقوق الطلاب والخريجين في زمن الحرب”.
وكان ذلك فريضة “الجميلة المستحيلة”. كان إلهامها وتقواها.