

الفاتح عبدالله
قبل أن يحمل المخرج الفرنسي كاميراته ويتسلل خلسةً إلى داخل الأراضي الجزائرية، كان العالم الخارجي يعيش في غيبوبة عما يجري هناك، وكان هناك تعتيم إعلامي من قبل المستعمر الفرنسي على أبشع صنوف التعذيب والتنكيل والتشريد بحق الجزائريين.
وروني فوتييه، الشيوعي الشاب حينها، قام بالتوثيق الحي بعدسته لميلاد الثورة الجزائرية ضد بلاده، كما رسم صورة حية لكل أعمال العنف والتشفي من أبناء جلدته تجاه أصحاب الأرض. وجاء عمله السينمائي «الجزائر أمة» و«الجزائر تشتعل» دليلًا ملموسًا على نضالات الشعب الجزائري الذي رفض الاستعمار والخنوع.
وأعلن ثوار الجزائر في مطلع نوفمبر من عام 1954 ثورتهم المسلحة ضد فرنسا، التي احتلت الجزائر مئةً وأربعةً وعشرين عامًا، وتكللت هذه الثورة المباركة بإعلان الاستقلال في يوليو من عام 1962م، بعد سبع سنوات من النضال المسلح الذي قاده الرئيس الجزائري الراحل أحمد بن بلة، عميد مناضلي إفريقيا والشرق الأوسط دون منازع، والرجل الذي انتشل شعبه من الحطام إلى منصات النصر والاستقلال، ثم مضى تاركًا لهم رصيدًا من النضال والتضحية يحق لهم أن يتباهوا به.
والجزائر، منذ سنوات، تُحاك ضدها مؤامرات بهدف أن تعيش في حالة من عدم الاستقرار، وبعد وفاة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، برزت أنياب من يريد أن يجعل البلاد تغرق في بحور الفوضى، وكأنه يجهل الجزائر وأهلها، الذين غرس فيهم الرعيل الأول حب بلادهم وعدم التفريط في مقدساتهم وثوابتهم الوطنية.
والجيش الجزائري، الذي تكوّن من نواة جيش التحرير، يُعتبر من المؤسسات الوطنية الجزائرية التي تتسم بالصرامة، ولا يتهاون في مسألة حماية الحدود. وحرب الرمال خير دليل على ذلك. وعلى الرغم من أن الجيش الجزائري كان خارجًا من حرب طويلة ضد فرنسا، فإنه استطاع أن ينجز ما طُلب منه، إلى أن وصلت الجزائر والمغرب إلى اتفاقية لترسيم الحدود في مالي.
وبالرجوع إلى عدسة فوتييه السينمائية، سنجد أنها وثّقت للتاريخ البشري حالة إنسانية فريدة يصعب ترويضها والعمل على تفكيكها.
وبالنظر في سفر بن بلة النضالي، نجده أيقن مبكرًا بأن الاستعمار الفرنسي لا تنفع معه اللغة الدبلوماسية، فقام بدكّ مركز للبريد، واشترى الأسلحة، وبدأ في تجميع المجاهدين في صفوف جبهة تحرير الجزائر. ولم يميّز نفسه عن رفقاء السلاح، فكان يحمل صناديق السلاح المهرّب على كتفيه، ويشرف على توزيعها داخل بلاده.
عاش في أقسى سجون الاستعمار في بلاده، وقضى عامين في سجن البليدة، وهرب منه برفقة آيت أحمد، وكانا المعتقلين الوحيدين اللذين تمكنا من الهرب من السجن منذ إنشائه إلى أن تم إغلاقه.
وطوال فترة عمله في الثورة الجزائرية، كان همّه الوحيد بلاده ومناضلي القارة الإفريقية، فساعد نيلسون مانديلا، وباتريك أومباما، وثوار فلسطين ضد الاحتلال الصهيوني.
تعرّض لأول عملية قرصنة جوية، وأُجبرت طائرته على الهبوط في فرنسا عام 1956، وظل معتقلًا إلى أن أُطلق سراحه مع الاستقلال. وبعد ذلك، وضعه الرئيس ورفيق دربه هواري بومدين تحت الإقامة الجبرية، وعاش سنوات هناك، وتزوّج في السجن، مطيعًا لرغبة والدته.
كان بن بلة يمثل القائد الملهم الحقيقي لشعبه، لوضوح خطّه ورجاحة عقله، واستطاع أن يقود الثوار، رغم اختلافاتهم، نحو تحقيق أهدافهم.
جاء إلى مصر وأعلن عن مقاومته للاستعمار، ومن بين رحاب الأزهر الشريف، طلب منه الدارس حينها والرئيس لاحقًا هواري بومدين أن يترك مقاعد الدراسة ويلتحق بصفوف الثوار في الجزائر: «العلم ملحوق».
وحينما أُخبر بوفاة الرئيس هواري بومدين، الذي انقلب على معلمه، لم يُظهر شماتة بالموت، ولم يصبّ غضبه على ما جرى له من رفيق دربه، وإنما قال: «أنا عفوت عنه وعن كل ما أصابني»، وترحّم عليه ودعا له بالرحمة والمغفرة.
وحينما خرج من السجن، لم يتآمر على بلاده، ولم يتمنَّ لها السوء بسبب ما جرى له، بل بالعكس، فضّل الصمت ورفض الحديث عن كل شيء، وكان يقول فقط: «يجب أن نعمل جميعًا من أجل الجزائر».
في العام 1963، طلب من سفير بلاده في القاهرة أن يُنزل «بيرك السفارة» من السيارة، وأن يذهب معه في اتجاه الإسكندرية.
وعندها بدأ بن بلة يدله على الشوارع، حتى وصلا إلى إحدى الحارات، وطلب منه التوقف. ودخلا إلى امرأة من بلاد البلقان، كانت برفقة بناتها، فأكرمهم بن بلة وضمد جراحهم.
ودهش السفير من هذا التصرف، فبدّد بن بلة دهشته حين قال له:«والد البنات وزوج هذه المرأة كان بحّارًا معنا في جبهة التحرير، وكان يقود سفينة ويجلب لنا السلاح. وحينما علم الفرنسيون بأمره، قتلوه وأغرقوا السفينة التي كانت تمتلكها الأميرة دينا.
والآن مهمة السفارة أن تأتي كل شهر وتصرف لهم راتبًا شهريًا لهذه الأسرة؛ فلا يمكن أن ننسى شهداء الثورة الجزائرية، ولا يعقل أن نرمي أسرهم في العراء».
وأصبح الأخضر الإبراهيمي يأتي شهريًا حاملًا راتب البحّار الشهيد، ومنفذًا لوصية الرئيس. ومع مرور الزمن، تزوّج الأخضر الإبراهيمي ماليتسا، ابنة البحّار، وإلى يومنا هذا.
وحينما قُتل عبان رمضان بتهمة شق صف الثوار، بدعوته إلى مؤتمر الصومام، حسم بن بلة «الباءات الثلاث»، وحدّ من نفوذهم في جبهة التحرير.
ومضى بن بلة شامخًا عزيزًا، تاركًا شعبه العظيم لرفقاء جبهة تحرير الجزائر.
والشعب الجزائري شعب عنيد، عاش سنين حياته مناضلًا. حاول البعض في مطلع التسعينيات أن يختبر الشعب الجزائري فيما عُرفت بالعشرية السوداء، ولكن الجيش الجزائري، تحت قيادة وزيره خالد نزار، كان لهم بالمرصاد، وبسط السيطرة الكاملة على الجبال التي كانت تنطلق منها العمليات العسكرية ضد المدنيين.
قبل يومين، وقع في نظري خبر قطع الجزائر لعلاقاتها مع الإمارات. لم أندهش للخبر، ذلك لأن الكل يعرف الخلافات بين البلدين، ولكن في الوقت نفسه لم أستغرب عدم سماعي لصوت أحد من أحفاد بن بلة يهمس: «أين الدبلوماسية؟»
لذلك صدق روني فوتييه حينما قال: «الجزائر أمة».