رأي

التصنيف… وإعادة هندسة السياسة السودانية (3/3)

فيما أرى
عادل الباز
1
في الحلقة الأولى من هذا المقال، نظرنا في تأثير هذا القرار، وقلنا إن الهدف تفكيك البيئة العسكرية والاجتماعية التي تقاتل إلى جانب الجيش. وفي الحلقة الثانية، قلنا إن ما يُستهدف أيضًا هو إعادة هندسة المشهد السياسي في السودان كله؛ فالقرارات من هذا النوع لا تغيّر فقط وضع الحركة الإسلامية، بل تعيد رسم حدود السياسة نفسها داخل الدولة. فحين يُوضع تيار سياسي كامل ومؤثر تحت عنوان «الإرهاب»، يصبح من السهل استبعاده من أي عملية سياسية قادمة. وهنا تكمن خطورة القرار، لأنه لا يستهدف حضور الحركة الإسلامية الآن فقط، بل يسعى لصياغة واقع آخر في المستقبل، مع واقع سياسي تتم صياغته من الخارج.
وقد استُخدمت مثل هذه التصنيفات في تجارب دولية عديدة، من الجزائر في التسعينيات إلى بعض حركات المقاومة في المنطقة، حيث تحولت قرارات التصنيف إلى أدوات ضغط سياسي أكثر منها أدوات قانونية خالصة.

في هذه الحلقة الثالثة والأخيرة، سأحاول النظر في الكيفية التي يمكن أن تتعامل بها الدولة مع قرار التصنيف. قانونيًا، لا يمثل القرار لها أي تحدٍ، إذ إن الحركة الإسلامية المصنفة ليست كيانًا قانونيًا مسجلًا في الدولة السودانية، لا كحزب ولا جماعة خيرية دعوية، وليس لها عنوان. لذلك، لا يمكن التعامل معها قانونيًا بالحل أو بالحظر، ولا يمكن أن تطالب جهة ما بالتعامل مع كيان غير معرّف قانونيًا، ولا يمكن حتى للجهة التي أصدرت القرار أن ترتب عليه أي إجراء قانوني داخل السودان أو خارجه. فلا يمكن تجريم كيان غير معرّف، ولا يمكن تسمية منسوبيه أو اتخاذ إجراءات ضدهم.
كما أن قرار التصنيف يقول إن الكيان المذكور – بحسب نص القرار – لم يرتكب جريمة تستوجب البحث عنه ومطاردته، بل ادعى القرار أن أفراد هذا الكيان «يستخدمون عنفًا غير مقيّد ضد المدنيين»، وأنهم «ساهموا في إعدامات جماعية لمدنيين». والحكومة، ومن أصدروا القرار، يعلمون أن ذلك كذب، ويعرفون من يستخدمون العنف والقتل والإبادة… كما تعرف الحكومة أن الكيان المذكور لم يسعَ إلى تقويض الجهود السلمية، وتعرف من الذين قوّضوا اتفاق جدة.
إذن، فالحكومة تعلم أنه لا جريمة يمكن بها معاقبة الحركة الإسلامية أو الأفراد الذين ينتمون إليها، إذ لا جريمة ولا تهمة لدى الذين أصدروا القرار.
ويبدو لي أن هذا هو الاتجاه الحكومي، إذ يشي بيان الخارجية الصادر بعد القرار بذلك، حيث أكدت أنها تدين الإرهاب وتجرّمه، بمعنى أنها لا تعرف جماعة إرهابية يتحدث عنها القرار في السودان قانونيًا ولا تتعامل مع إرهابيين. ثم أشار البيان بذكاء إلى أن الجماعة الإرهابية التي تعرفها الدولة هي مليشيا الدعم السريع، وطالبت بتصنيفها منظمة إرهابية، لأنها ينطبق عليها كل ما لُفِّق في القرار للحركة الإسلامية.

سياسيًا، لا أعتقد أن الحكومة ستعاني، فهي أصلاً لا تتعامل مع الحركة الإسلامية ككيان سياسي ولا تعترف به، لكنها تواجه حزمة من الاتهامات تتعلق بوجود وتأثير هذا الكيان في أجهزة الدولة. مثل هذه الاتهامات والضغوط ليست جديدة على الحكومة؛ فمنذ سقوط نظام الإنقاذ ظلت هذه الاتهامات تدور، وهي فزاعة للتأثير على الجيش. وقد رد الرئيس البرهان عليها سرًا وعلنًا بأن منسوبي هذه المؤسسات هم سودانيون، أياً كان انتماؤهم، وإذا كان لدى أي شخص أو جهة اتهام لجهة ما تعمل ضد الدولة، أو لشخص ارتكب جريمة، فيمكن أن يذهب إلى المحاكم لتقرر في التهمة المنسوبة إليه أو إلى أي كيان.
أحد مقاصد قرار التصنيف هو إفراغ الدولة من كوادرها وخبراتها باستخدام تلك الفزاعة.“لقد ثبت خلال خمس سنوات من الحكم الانتقالي والحرب أن تأثير ‘الفلول’ أو الحركة الإسلامية على مراكز القرار محض افتراءات، يستخدمها المروجون كورقة ضغط لخدمة أجندات خارجية. المروجون لهذا الافتراء يعرفون من الذي يدير الدولة، ومن الذي يتعاملون معه مباشرة، وأين هو مركز القرار، ولكنهم يستخدمون تلك الفزاعة كورقة ضغط لتحقيق مكاسب بالاستجابة لأجندة بولس والإمارات.
إن أي إجراء تتخذه الدولة استجابة لهذا التصنيف سيضعف جبهتها الداخلية، ويؤثر في الحرب الدائرة الآن، بل ويعرضها هي نفسها لمزيد من الضغوط لتتراجع أكثر. ولن تحصد أي جائزة نتيجة لتماهيها أو استجابتها لأجندة الذين اتخذوا قرار التصنيف؛ لأن منطق هذا النوع من الضغوط بسيط: كل خطوة تراجع تفتح الباب لمطلب جديد. Retreat has no end.
لذلك، فإن الحكمة السياسية تقتضي أن تُدار هذه اللحظة بعقل يعظم المصلحة الوطنية، وأن يبقى ميزان العدالة هو الفيصل: من ارتكب جريمة فالمحاكم مفتوحة له، ومن لم تثبت عليه تهمة فلا يجوز إقصاؤه بقرارات تصنيف سياسية. فالدول لا تحمي نفسها في لحظات التحولات الكبرى بتضييق دائرتها الوطنية، بل بتوسيعها.
الدول لا تُدار بالاستجابة للابتزاز السياسي من أي جهة خارجها أو داخلها، ولا تُبنى مؤسساتها على قرارات تصنيف تصدر خارج حدودها. ما يحفظ تماسك الدولة في لحظات التحولات الكبرى في حياة الشعوب هو اتساع دائرتها الوطنية لا تضييقها.
إن هدف قرار التصنيف المباشر هو تطبيق نظرية “إفراغ الدائرة” التي تسعى لعزل وإبعاد القوى المؤثرة والداعمة لأي نظام، ليصبح النظام بلا سند، فيغدو معلقًا في الهواء يسهل افتراسه أو ابتزازه وممارسة الضغوط عليه ليركع وينفذ ما هو مطلوب منه. وقتها الجميع سيُطحنون في الهواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى