نعى الناعي البروفسور التجاني عبد القادر حامد، الذي ووري الثرى اليوم بمقابر مسيمير في الدوحة، فأطبق الظلام على الدنيا؛ فالعلماء من أمثاله هم مصابيحها، لا تشرق إلا بهم، ولا ينفتح مسدودها إلا برؤاهم.
بزغ نجمه في بواكير الشباب. وحين ولجنا الجامعة عند مدخل ثمانينيات القرن الماضي، وجدنا التجاني عبد القادر قد غادر الجامعة طالباً، بعدما أترعته علماً، وأنضجته وعياً؛ إذ كان قائداً طلابياً مرموقاً، ورئيساً لإحدى دورات اتحاد الطلاب فيها، قبل أن يصبح فيها أستاذاً. وغدا رقماً في الفضاء السياسي تشد إليه الرحال في كل منتدى؛ كان نجماً، ولكن مشارقه تختلف عن نجوم الكرة والغناء والمسرح.
من هذا الذي حرق مراحل التعلّم، وتوهّط في أعالي الذرى العلمية، وهو لا يزال في مسمى مساعد تدريس بكلية الآداب في جامعة الخرطوم؟
كان ذلك في زمن كانت فيه الجامعات تضج بالسياسة المستنيرة، وكان الشباب على ثقافة تفرز ألوان خيوط السياسة، ولم يكن السودان قد بلغ عهد الواق واق بعد.
كانت الحياة السياسية في السودان يومها قد دخلت هدأة المصالحة الوطنية بين نظام نميري ومعارضيه، وانفتحت كوة للتثاقف السديد. وكان الدكتور حسن الترابي يفجّر الأسئلة الكبرى، موجة إثر موجة، وصعد جيل من الإسلاميين مدارج التفكير الرصين، وفي مقدمتهم التجاني عبد القادر حامد.
ولم نعرف في ذلك الوقت من يقترب من أفق الترابي مثل التجاني؛ ولهذا كان شريكاً له في حشد المزاحمين عند أبواب التطلع إلى المزيد من الفكر والمعرفة.
مضى التجاني في دربه، حضوراً هائلاً في صدر محافل الفكر، وأنتجت «أحفوراته» العلمية المبكرة فتحاً معرفياً، حين كابد بحثه عن «أصول الفكر الإسلامي في القرآن المكي»، الذي نشره المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن. ومضى التجاني يزداد رصيده، ويصعد سهمه العلمي صعوداً.
وكان مما ميّزه أنه لم يكن ينتج المعرفة محلّقةً في فضاء النظرية دون ملامسة الواقع، بل كان يسعى إلى أن يسدد بها كثيراً من مجريات الحياة السياسية والاجتماعية؛ فالفكرة عنده لم تكن ترفاً ذهنياً، وإنما أداة لفهم الواقع وإصلاح مساره.
غادر التجاني السودان بُعيد منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وترك سهمه في دولة «الإنقاذ»، ليفتح أفقاً جديداً لمحمولاته الفكرية، وقد عجزت الإنقاذ عن النهوض بثقلها. وضاق المجال الذي كان يُرجى أن يسهم فيه بوافر السهم في تسديد المسار.
كانت الفكرة هي محرك السعي نحو الدولة في فجر حلم الحركة الإسلامية، لكنها أخذت تنأى عن ذلك تحت ضغط متطلبات الحكم، في أحسن الأحوال ظناً.
وحين لم تعد البيئة مما يروق له التنفس فيه، حمل كتبه ورحل. ولعل من أسباب ذلك أيضاً أنه لم يكن يملك أسلحة البقاء في صدر النادي السياسي لـ«الإنقاذ»؛ فالبقاء فيه كان يحتاج إلى قدرة على المنافحة بالمناكب في مورد شديد الزحام، وما توفرت للرجل طاقةٌ نفسية لذلك.
وأظن أن ذلك كان خيراً له.
فقد وجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة، فاتسع أثره على مدى العالم الإسلامي، وفي صوامع شتى للمعرفة؛ في الجامعة الإسلامية بكوالالمبور، وفي المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، وفي جامعة الشيخ زايد بالإمارات، ومنذ سنوات في جامعة قطر بالدوحة.
وهكذا، خرج من فضاء أضيق إلى فضاء أرحب، وأتاحت له الغربة أن يكون ما أراد أن يكونه: عقلاً حراً، ومفكراً عابراً للحدود، لا تحصره جغرافيا ولا يضيّق عليه إطار تنظيمي.
واليوم يترجل عن صهوة الوجود عقلٌ فذ؛ إذ لم يكن التجاني عابراً في تاريخ المعرفة، بل كان من سدنة الوعي الجديد؛ أولئك الذين يعيدون فتح ما ظنه الناس مسلمات مغلقة، ويعيدون صياغة الأسئلة التي استقر الناس على أن إجاباتها قد اكتملت.
كان التجاني واحداً من أولئك الذين لا يكتفون بالسير في الطرق المطروقة، وإنما ينقبون تحتها، ويبحثون عن الجذور الأولى للأفكار، وعن المسكوت عنه في النص والتاريخ والواقع.
وبما أن الموت تجلٍّ في مقام آخر، كما يقول العارفون، فقد انتقل التجاني من ضيق الجسد إلى سعة الفكرة في آفاق الحياة من ورائه ، وإلى انطلاق الروح في ملكوت الله، راضيةً مرضية.
رحم الله البروفسور التجاني عبد القادر حامد رحمة واسعة، وبلّغه منزلة العلماء العاملين، ورزقه صحبة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.