

فيما أرى
بقلم: عادل الباز
ما كان يُنظر إليه في السابق على أنه مجرد إجراء دبلوماسي عادي، تحول فجأة إلى مرآة عكست الكثير مما كان يُوارى خلف ركام الدبلوماسية والتصريحات الناعمة. التأشيرة التي رفضت الولايات المتحدة منحها لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، جاءت «تأشيرة كاشفة» بامتياز.
أظهرت هذه الخطوة، في المقام الأول، مواقف دول ومنظمات كانت تتحدث بلغة مزدوجة. دول كانت تتسابق لإعلان دعمها لاستقرار السودان وسيادته، فإذا بها تصمت صمتاً مطبقاً، أو تتبنى لغة «القلق» المعتاد كلما تعلق الأمر بالإجراءات الأمريكية ضد الشرعية السودانية. منظمات دولية كانت ترفع شعار الحياد والقانون الدولي، فإذا بها تجد نفسها عاجزة عن الدفاع عن مبدأ المساواة في المعاملة بين رؤساء الدول والحكومات، أو حتى عن مجرد الاحتجاج على رفض الولايات المتحدة منح تأشيرة للرئيس البرهان، وهو موقف ينافي أبسط قواعد القانون الدولي. هكذا انكشفت الانحيازات، وبؤس المنظومة الدولية، وخيانة العهود في أقبح صورها.
وفي الجانب نفسه، فضحت التأشيرة قوانين كانت تُسوَّق على أنها أدوات لحماية النظام الدولي، فإذا بها تتحول إلى وسائل ضغط سياسية انتقائية تُستخدم وفق الهوى والمصلحة. أما على المستوى الداخلي، فقد كشفت النقاب عن وجه آخر أكثر إيلاماً. أحزاب وقوى سياسية سودانية كانت ترفع شعارات «الشرعية» و«الديمقراطية» و«الحكم المدني»، فإذا بها تصمت أو تبرر أو تتجاهل حين تُهدر حقوق رمز السيادة السودانية بهذا الشكل. ومنافقون كثر كانوا يتحدثون عن «الوطنية» في الصباح، ثم يدعمون في المساء أي إجراء دولي يستهدف وطنهم، طالما أنه يخدم أجندتهم الضيقة. هؤلاء لم يعودوا قادرين على إخفاء تناقضهم؛ فقد وضعتهم التأشيرة أمام مرآة الحقيقة دون تجميل.
غير أن الأهم مما أظهرته التأشيرة عن الآخرين هو ما كشفته عن مقاصد الآخرين تجاه السودان ورئيسه. لم تعد أحاديث «التآمر الدولي» و«الاستهداف الممنهج» و«دعم المليشيا» مجرد أحاجٍ أو نظريات تُتداول في المجالس. لقد تحولت إلى سياسات معلنة، موثقة، وممارسة على أرض الواقع. التأشيرة ليست سوى رسالة واضحة: أن هناك من يريد إبقاء السودان في حالة ضعف دائم، وفرض أجندات عليه لا تنبع من إرادة شعبه، واستخدام أدوات الضغط الدبلوماسي والقانوني والاقتصادي لكسر إرادة الدولة.
وفي مواجهة هذه الرسالة، برزت ردة فعل الشعب السوداني كأقوى رد فعل ممكن. لم يقف الشعب مكتوف الأيدي، بل خرج بالأمس في مواكب حاشدة عمت مدناً عديدة في أنحاء البلاد، تدين وترفض استهداف رمز سيادته. الاستهداف لم يكن موجهاً إلى البرهان شخصاً، بل إلى السودان دولةً وكياناً، وهو ما دفع الرجال والنساء والشباب والشيوخ إلى رفع أصواتهم عالياً بأن كرامة الوطن ليست محل مساومة، وأن المساس برئيس مجلس السيادة مساس بالدولة نفسها. كانت تلك المواكب تعبيراً عفوياً وصادقاً عن رفض شعبي واسع لأي محاولة لإذلال الوطن أو النيل من رموزه، وأكدت أن الوعي الوطني ما زال حياً وقادراً على التصدي لمشاريع الإضعاف والاستهداف.
لقد رأى الشعب السوداني بأم عينه أن ما كان يُقال عن وجود مشروع لإضعاف الدولة ودعم أطراف داخلية على حساب أخرى ليس وهماً. رأى أن الاستهداف يمتد إلى فكرة الدولة ذاتها، وإلى قدرتها على اتخاذ قراراتها باستقلال. ومن هنا اكتسبت هذه التأشيرة أهميتها؛ فهي لم تنل من شخص بقدر ما أيقظت شعباً، ودفعته إلى الشارع ليعلن موقفه بوضوح لا لبس فيه.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن لم يعد: هل نحتاج إلى مزيد من الأدلة على وجود هذا التآمر؟ فالأدلة باتت أوضح من أن يُشار إليها، والشعب نفسه خرج ليؤكد رفضه لها. السؤال الحقيقي هو: ماذا نفعل بعد أن انكشفت الحقيقة؟
هل نكتفي بالغضب والندب، أم نبدأ في وضع علامات واضحة على طريق هذا التآمر الأممي؟ علامات تفضح خيانة بعض الأشقاء الذين باعوا مواقفهم في سوق المصالح الضيقة، وتكشف خذلان بعض أبناء السودان الذين آثروا أجنداتهم الحزبية أو الشخصية على مصلحة الوطن. علامات تحدد المواقف بلا مواربة : من يقف مع سيادة السودان وكرامته، ومن يقف مع مشاريع الإضعاف والتقسيم والوصاية.
التأشيرة الكاشفة لم تكن نهاية القصة، بل كانت بداية صفحة جديدة من الوعي، صفحة لها ما بعدها. فالسودان الذي يُراد له أن يُركع، يملك من الإرادة الشعبية ما يكفي ليقول: لا.
وفي السياق نفسه، جاء الرد العملي من ميادين القتال والفداء في كردفان، التي تنسمت أمس أريج تحرير سودري العزيزة. من هناك ستنطلق جحافل القوات المسلحة لتنظيف ما تبقى من كردفان من دنس التمرد. فهل تسلمت أمريكا الرسالة؟ شعب السودان يدعم رئيسه في شوارع المدن، ورجال يقاتلون وينتصرون تحت أمرته في مسارح العمليات… وتلك هي الصيغة المثلى للرد على صلف أمريكا ومن يسيرون في ركابها.