فيما أرى عادل الباز 1 في الحلقة الأولى أشرت إلى أربعة متغيرات تشكل مكامن خطر حقيقية على الاقتصاد السوداني: سعر الصرف، والتضخم، والطاقة، والغذاء. كل واحد منها يمثل خطراً مستقلاً، لكن اجتماعها قد يحوّل الأزمة الاقتصادية إلى أزمة معيشية وإنتاجية ومالية شاملة، تهدد قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد وقدرة المجتمع على الاحتمال. وبعد أن تناولنا سعر الصرف وتأثيره على الاقتصاد الكلي، ننتقل اليوم إلى **الطاقة**، ومنها إلى التضخم، باعتبارهما حلقتين متداخلتين في هذه الأزمة. 2 يُقدَّر متوسط حاجة السودان الشهرية بأربع بواخر ديزل وباخرتين بنزين، بحمولة 40 ألف طن للباخرة، أي نحو 240 ألف طن شهرياً، إضافة إلى غاز الطبخ ووقود الطائرات. وتكشف بيانات النصف الأول من عام 2026 حجم الضغط الناتج عن هذه الحاجة؛ إذ بلغت الواردات 4.517 مليارات دولار مقابل صادرات لم تتجاوز 1.816 مليار دولار، مسجلة عجزاً تجارياً بنحو 2.701 مليار دولار. وكانت المنتجات البترولية أكبر بند استيرادي منفرد بقيمة 1.495 مليار دولار، أي أكثر من 30% من إجمالي الواردات. هذا الحجم الكبير لاستيراد الوقود يؤكد أهميته الاستراتيجية في كل قطاعات الحياة. فالزراعة تعتمد عليه لتشغيل الجرارات والطلمبات والحصادات، والصناعة تحتاج إليه للتوليد والتشغيل، والتجارة تعتمد عليه في النقل والتبريد، والمستشفيات لا تستطيع العمل دون إمداد كهربائي مستقر. لذلك فإن أي ارتفاع في أسعار الطاقة أو اضطراب في توفرها ينتقل بسرعة إلى بقية قطاعات الاقتصاد. ولا يمكن فصل أزمة الطاقة عن الحرب؛ فالمشكلة لا تنحصر في سعر الوقود أو توافر النقد الأجنبي لاستيراده، بل تمتد إلى تضرر البنية الإنتاجية وتعطل سلاسل الإمداد ونقص المدخلات. وقد عمّقت الحرب هذه الاختلالات، بما أحدثته من تدمير للقدرات الإنتاجية ونزوح ونهب واضطراب في النشاط الزراعي. ولهذا فإن تأمين وصول الوقود إلى مناطق الإنتاج لا يقل أهمية عن تأمين وصوله إلى الموانئ. في الزراعة تحديداً، يؤدي ارتفاع سعر الديزل إلى زيادة تكلفة تحضير الأرض والري والحصاد والنقل، فيضرب الإنتاج قبل أن يصل إلى المستهلك. وقد يجد المزارع نفسه أمام خيارين كلاهما صعب: تقليص المساحة المزروعة، أو الاستمرار بتكاليف أعلى لا يضمن استردادها عند بيع محصوله. وهكذا تتحول أزمة الطاقة إلى ضغط على الإنتاج الغذائي، لا إلى زيادة في تكلفة النقل فحسب. وتزداد خطورة ارتفاع الوقود حين يمس إنتاج الذهب، أحد أهم موارد البلاد من النقد الأجنبي. فارتفاع سعر الجازولين يرفع تكلفة الاستخراج ويضغط على ربحية المنتجين. لكن ارتفاع التكلفة لا يعني تلقائياً أن السعر المحلي للذهب سيتجاوز السعر العالمي؛ إذ تتطلب المقارنة احتساب سعر الصرف الفعلي وعيار الذهب وتكاليف الشراء والتصدير. ومن ثم، فإن تقييم جدوى شراء بنك السودان للذهب وتصديره ينبغي أن يقوم على صافي العائد بالنقد الأجنبي، لا على السعر المحلي وحده. والخطر هنا أن تتقلص حصيلة التصدير الصافية كلما ارتفعت تكاليف الإنتاج والتداول، فتضعف قدرة هذا المورد على تمويل الاحتياجات الخارجية. 3 أما التضخم فيمثل مكمن خطر مركزياً تتداخل في تغذيته عوامل داخلية وخارجية. ففي الداخل، تؤدي اختلالات العرض والطلب، وضعف الإنتاجية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى زيادة الأسعار. ومن الخارج، تصل الضغوط عبر ارتفاع الأسعار العالمية للسلع المستوردة، خاصة الوقود والغذاء. وتضاف إلى ذلك قناة أخرى هي تراجع قيمة العملة الوطنية، الذي يرفع كلفة الواردات بالجنيه حتى عندما تبقى أسعارها العالمية مستقرة. وإذا اجتمع ارتفاع السعر العالمي مع هبوط قيمة الجنيه، تضاعف الضغط على المنتج والمستهلك. وينتقل أثر التضخم إلى القطاعات المختلفة، لكنه لا يتوقف عند زيادة تكاليفها. ففي الزراعة والصناعة، يجعل التخطيط للموسم أو لدورة الإنتاج أكثر صعوبة، لأن تكلفة المدخلات تتغير فيما لا تكون أسعار البيع المستقبلية مضمونة. وفي التجارة والنقل، يؤدي تراجع القوة الشرائية إلى تباطؤ الأسواق، فيجد المنتج والتاجر نفسيهما بين ارتفاع التكلفة وضعف الطلب. وهنا تتشكل الحلقة الأخطر: ارتفاع الأسعار يضعف القدرة على الشراء، وضعف الطلب يضغط على الإنتاج، وتراجع الإنتاج يزيد اختلال العرض. 4 مكامن الخطر الأربعة، إذن، لا تعمل بمعزل عن بعضها. فهبوط قيمة العملة يرفع كلفة واردات الوقود والغذاء، فيغذي التضخم، ويضعف قدرة القطاعات الإنتاجية على العمل بكفاءة. وحين يتراجع الإنتاج، تتسع الحاجة إلى الاستيراد ويزداد الطلب على العملات الأجنبية، فتعود الضغوط إلى سعر الصرف من جديد. وهذا التداخل هو ما يهدد بتحويل الأزمات المتفرقة إلى أزمة اقتصادية ومعيشية ممتدة. وعليه،لا تكفي معالجة سعر الصرف بعيداً عن الإنتاج، ولا معالجة الوقود بعيداً عن الكهرباء والنقل. المطلوب ترتيب الأولويات حول حماية القدرة الإنتاجية وتأمين الخدمات الأساسية، ضمن سياسة اقتصادية مترابطة، لا إجراءات متفرقة تتعامل مع كل أزمة بمعزل عن الأخرى. وهو اتجاه ينسجم مع ضرورة الجمع بين استقرار الاقتصاد الكلي والاستثمارات الموجهة إلى القطاعات الإنتاجية. 5 وفي الحلقة المقبلة ننتقل إلى المكمن الأخير للخطر: الغذاء؛ فهو ليس مجرد بند آخر في قائمة الأزمات، بل النقطة التي تلتقي عندها آثار سعر الصرف والطاقة والتضخم، وتصل مباشرة إلى مائدة الأسرة السودانية.