الإحصاء واستطلاعات الرأي في السودان: ثقافةٌ غائبة وصوتُ مجتمعٍ مُغيَّب

خالد محمد أحمد

في 28 أبريل 2019، كتبتُ منشورًا مقتضبًا دعوتُ فيه إلى إيلاء الإحصاء واستطلاعات الرأي ما يستحقَّانه من اهتمامٍ.

واليوم، وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، تتضاعف أهمية تلك الدعوة؛ إذْ بات السودان في مسيس الحاجة إلى معرفةٍ علمية باتجاهات مجتمعه لفهم التحوُّلات التي أحدثتها الحرب، واستشراف مستقبله السياسي، والوقوف على أولويات المواطنين وتطلُّعاتهم ومواقفهم إزاء قضايا السلام والدولة والاقتصاد والخدمات الأساسية.

وإذْ أفرزت الحرب واقعًا اجتماعيًّا وسياسيًّا وإنسانيًّا بالغ التعقيد في وقتٍ لا تزال فيه البلاد تفتقر إلى منظومةٍ مستقلَّة ومنتظمة لقياس اتجاهات الرأي العام، فإن هناك أسئلةً كثيرة لا ينبغي أن تظلَّ أسيرةَ الانطباعات الشخصية أو رهينةَ الخطاب السياسي وتقديرات الأطراف المتصارعة، بل يتعيَّن إخضاعها للقياس العلمي المنهجي.

ومن المهم التمييز بين الإحصاء الرسمي، الذي يوفِّر بياناتٍ عن السكان والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، واستطلاعات الرأي العام، التي تقيس مواقف المواطنين واتجاهاتهم وتفضيلاتهم إزاء القضايا العامة؛ فهما مجالان متكاملان يُشكِّلان قاعدةً معرفية للتخطيط وصناعة السياسات وتقييمها. ولذلك، فإن إنشاء مركزٍ وطني مستقلٍّ لاستطلاعات الرأي والبحوث المجتمعية لا يعني إنشاء جهازٍ موازٍ للجهاز المركزي للإحصاء أو الحلول محلَّه، بل التعاون معه والاستفادة من بياناته في تصميم الدراسات وتحليل نتائجها.

وتكتسب القضايا المرتبطة بحياة المواطنين ومستقبل البلاد أهميةً خاصة، وفي مقدِّمتها الحرب والسلام، من حيث أولويات وقف الحرب وتحقيق السلام واستعادة الخدمات والحكم المدني، والخيارات التي يُفضِّلها السودانيون لإنهاء الصراع، ومدى ثقتهم في الأطراف المنخرطة في جهود السلام، ومواقفهم من مشاركة أطراف الحرب في العملية السياسية. ولا يقلُّ أهميةً عن ذلك استطلاعُ آرائهم بشأن العدالة الانتقالية والمحاسبة وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية، وتهيئة الظروف الملائمة لعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم؛ فهذه قضايا ينبغي أن تستند معالجتها إلى فهمٍ علمي موثوق لآراء المواطنين وأولوياتهم، لا أن تقتصر على تقديرات النخب وحسابات القوى المتصارعة.

وفي الشأن الاقتصادي والمعيشي، تجدُر استطلاعات الرأي بشأن تقييم الأسر لأوضاعها، ورصد أبرز التحديات التي تواجهها في تأمين احتياجاتها الأساسية، واستجلاء أولويات المواطنين في تحسين الخدمات وإتاحتها، ومدى اعتماد الأسر على التحويلات المالية والمساعدات الإنسانية، إضافةً إلى التحوُّلات في أنماط الإنفاق والاستهلاك وفرص العمل. كما تقتضي الضرورة الوقوف على تصوُّرات المواطنين بشأن أولويات إعادة الإعمار والقطاعات التي ينبغي أن تحظى بالأولوية في الاستثمار.

أمَّا في المجال السياسي، فمن الضروري التعرُّف على نظام الحكم الذي يُفضِّله السودانيون، وقياس مستويات ثقتهم في الأحزاب والقوى المدنية، واستجلاء مواقفهم من الفيدرالية وتوسيع صلاحيات الولايات، وتقييمهم لتجارب الحكم السابقة، وآرائهم بشأن الانتخابات وتوقيتها وشروط إجرائها، إضافةً إلى تصوُّراتهم للعلاقة بين السلطات المدنية والمؤسسات العسكرية، والقضايا التي يرون ضرورة إدراجها في أيِّ مشروعٍ وطني جديد.

وفي المجال الاجتماعي، تتعدَّد التساؤلات بشأن تأثير الحرب في الثقة المتبادلة بين المواطنين، وأسباب التوترات والانقسامات التي أفرزتها أو عمَّقتها، وسبل تعزيز التعايش بين المُكوِّنات السودانية، ودور الشباب والنساء في إعادة بناء المجتمع، ومدى استعداد النازحين واللاجئين للعودة إلى مناطقهم، وتجارب العائدين وانطباعاتهم، وتصوُّرات المواطنين لمستقبل الوحدة الوطنية. وينبغي أن تشمل هذه الدراسات السودانيين في المهجر أيضًا مع مراعاة اختلاف أوضاعهم وتجاربهم، والتمييز منهجيًّا بين نتائج استطلاعات المقيمين داخل البلاد ونتائج استطلاعات السودانيين في الخارج.

ويكتمل هذا المحور باستطلاع مصادر الأخبار التي يستقي منها السودانيون معلوماتهم، ومدى ثقتهم في وسائل الإعلام، وقدرتهم على التمييز بين الأخبار الموثوقة والمعلومات المضلِّلة، وشعورهم بمدى حضور أصواتهم وتأثيرها في النقاش العام، ومستوى ثقتهم في الإحصاءات والتقارير الصادرة عن المؤسسات الرسمية والسياسية؛ فمن شأن الإجابة العلمية عن هذه التساؤلات أن تُؤسِّس لقاعدةٍ معرفية راسخة لا غنى عنها لأيِّ مشروعٍ سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي يتطلَّع إلى استشراف مستقبل السودان وصياغة مساراته.

وانطلاقًا من هذه الحاجة، تقتضي المرحلة تأسيس مركزٍ سوداني مستقلٍّ لاستطلاعات الرأي العام والبحوث المجتمعية يلتزم بأعلى المعايير العلمية والمهنية، ويضطلع بدور المرجعية الوطنية الموثوقة في رصد اتجاهات المجتمع وفهم تحوُّلاته. وينبغي أن يكون هذا المركز مؤسسةً بحثية متخصِّصة تُجري استطلاعاتٍ دورية ودراساتٍ معمَّقة، وتراكم البيانات وتُحلِّلها لإتاحة رصد التحوُّلات في مواقف المواطنين وأولوياتهم عبر الزمن، وإنشاء أرشيفٍ وطني لبيانات الاستطلاعات، وتطوير مؤشراتٍ دورية للثقة المجتمعية والثقة في المؤسسات، وتوفير البيانات المنقَّحة للباحثين والجامعات للإسهام في بناء قدرات البحث العلمي وتقييم السياسات العامة.

ويستلزم اكتساب المركز المصداقية وصون استقلاليته أن يكون بمنأىً عن التبعية لأيِّ تيارٍ سياسي أو حكومةٍ أو طرفٍ من أطراف الحرب، وأن يتمتَّع باستقلالٍ قانوني ومالي وإداري، ويلتزم بالشفافية في مناهجه وعملياته ونتائجه. ويقتضي ذلك تنويع مصادر تمويله، بما في ذلك عائدات الدراسات والاستطلاعات التي تُكلِّفه بها مؤسساتٌ محلية ودولية على غرار نماذج أعمال مؤسسات متخصِّصة مثل يوغوف (YouGov) البريطانية. كما ينبغي وضع آليَّة تمويلٍ مؤسسية متعدِّدة المصادر تستند إلى قواعدَ معلنةٍ لقبول التمويل، وتضع سقفًا لمساهمة أيِّ جهةٍ منفردة، مع الإفصاح الدوري عن مصادر التمويل وحجم مساهمة كلِّ جهةٍ، وضمان عدم تدخُّل المموِّلين في موضوعات البحوث أو أسئلتها أو نتائجها، والفصل بين تمويل الدراسات وتصميمها وتنفيذها ونشر نتائجها.

ويتولَّى الإشراف على المركز مجلس إدارةٍ مستقلٍّ يضمُّ خبراء وشخصياتٍ أكاديمية ومهنية وفق معايير اختيارٍ معلنة وضوابط لتضارب المصالح. وتتمتَّع الإدارة التنفيذية باستقلالٍ مهني كامل في إدارة البحوث ونشر نتائجها دون إخضاعها لموافقة المجلس أو المموِّلين، على أن يقتصر دور مجلس الإدارة على الإشراف الاستراتيجي والرقابة المؤسسية وضمان الالتزام بالمعايير المهنية دون التدخُّل في القرارات البحثية أو التأثير في توقيت نشر النتائج ومضامينها.

ومن مقوِّمات نجاح المركز الالتزام بالشفافية المنهجية من خلال نشر تفاصيل الاستطلاعات ومناهجها وعيناتها وهوامش الخطأ وحدودها، وضمان الشمول الجغرافي والاجتماعي بمراعاة تمثيل المدن والأرياف والنازحين واللاجئين ومختلف الفئات السكانية، مع الإفصاح عن أيِّ قصورٍ في الوصول إلى مناطق أو فئات بعينها، وتجنُّب الادعاء بتمثيل عموم السودانيين بلا سندٍ منهجي.

وتكتسب هذه المعايير أهميةً مضاعفة في ظلِّ ظروف الحرب، التي تفرض تحدياتٍ استثنائية، من بينها النزوح الواسع، وانقطاع الاتصالات، وصعوبة الوصول إلى مناطق عديدة، والتفاوت في مستويات الأمن والاستقرار. وهو ما يستدعي اعتماد منهجياتٍ مرِنة ومتعدِّدة الوسائط لجمع البيانات تشمل المقابلات المباشرة والاتصالات الهاتفية والاستطلاعات الرقمية وفقًا لطبيعة كلِّ دراسةٍ والفئات المستهدفة والظروف المتاحة ودون الإخلال بالأسس العلمية لتصميم العينات وضمان تمثيلها، مع مراعاة تحيُّزات عدم الاستجابة وصعوبات الوصول إلى الفئات الأقلّ اتصالًا بوسائل جمع البيانات. كما لا يجوز تعميم نتائج عينةٍ محدودة أو مناطق يسهل الوصول إليها على المجتمع السوداني بأكمله؛ بل ينبغي الإفصاح عن حدود التمثيل ومصادر التحيُّز المحتملة في كلِّ تقريرٍ، ومراعاة سلامة الباحثين والمشاركين وحقوقهم. كذلك، ينبغي إخضاع أدوات الاستطلاع، بما فيها صياغة الأسئلة وترتيبها وخيارات الإجابة، للمراجعة العلمية والاختبار قبل اعتمادها، ونشر صيغها كاملةً للتحقُّق من حيادها وسلامة تصميمها.

وتعزيزًا للمصداقية، ينبغي إتاحة نتائج الاستطلاعات وتقاريرها ومنهجياتها للمراجعة والاستفادة العامة مع ضمان سريَّة المشاركين وحماية بياناتهم وهُويَّاتهم من أيِّ مخاطر. كما يمكن للمركز بناء شراكاتٍ علمية ومهنية مع الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الدولية للاستفادة من خبراتها في تصميم الاستطلاعات وجمع البيانات وتحليلها. ولا ينبغي أن تقتصر إتاحة النتائج على التقارير الفنية المتخصِّصة، بل يُستحسَن تقديم خلاصاتٍ مبسَّطة وميسَّرة للجمهور، وتنظيم حواراتٍ عامة بشأن نتائج الدراسات ودلالاتها، وإتاحة البيانات المنقَّحة للباحثين والجامعات وفق ضوابطَ تحمي خصوصية المشاركين؛ فالمواطنون ليسوا مجرَّد موضوعٍ للاستطلاع أو مصدرٍ للبيانات، بل هم المستفيد الأول من المعرفة التي تنتجها هذه المؤسسة ومن حقِّهم أن يطَّلعوا على نتائج البحوث التي ترصد آراءهم وتتناول قضاياهم.

ولا ينبغي، في تقديري، إرجاءُ تأسيس هذه المؤسسة إلى ما بعد انتهاء الحرب؛ فتعقيداتُ المرحلة الراهنة تجعل التعجيل بإنشائها أدعى وأوجب. ويمكن أن يبدأ تأسيسها تدريجيًا من خلال وضع إطارها القانوني والحوكمي، وتكوين مجلسها المستقلِّ، وبناء شراكاتها البحثية، ثم إطلاق برامجها الميدانية وفقًا للظروف الأمنية واللوجستية المتاحة؛ فالتحديات التي تفرضها الحرب لا ينبغي أن تكون مبرِّرًا لتأجيل بناء هذه القدرة الوطنية، بل دافعًا إلى تأسيسها على أسسٍ أكثر صلابةً واستعدادًا للتعامل مع الأزمات.

ختامًا، ممَّا لا شكَّ فيه أن غياب ثقافة استطلاعات الرأي في السودان يُمثّل خللًا في منهج التفكير والتخطيط وإدارة الشأن العام، وخاصةً في المرحلة الراهنة وما بعدها، التي تتباين فيها الرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية إزاء قضايا مصيرية، من بينها تقرير المصير، وتعدُّد القوى المسلحة، وإتاحة القواعد العسكرية الأجنبية، والدخول في شراكاتٍ اقتصادية كبيرة، والتطبيع، والمفاضلة بين الأقطاب الدولية، وغيرها من القضايا التي ينبغي أن تخضع لقياسٍ علمي يكشف اتجاهات الرأي العام. ولا يعني ذلك أن تُحسَم هذه الخيارات باستطلاعات الرأي، أو أن تحلَّ نتائجها محلَّ المؤسسات الدستورية والاعتبارات القانونية والاستراتيجية، أو أن تكون بديلًا عن الانتخابات والاستفتاءات وآليات المشاركة الديمقراطية، بل أن يُستأنَس بآراء المواطنين وتُوضَع تفضيلاتهم في الحسبان عند مناقشتها واتخاذ القرارات بشأنها؛ فلا يمكن لدولةٍ أن تتخذ قراراتٍ مفصلية بشأن حاضرها ومستقبلها بمعزلٍ عن آراء مواطنيها أو دون إدراكٍ حقيقي لأولوياتهم، كما لا يمكنها أن تمضي في مفترق طرقٍ كهذا بلا بوصلةٍ تهتدي بها إلى نبض مجتمعها.

↑
Exit mobile version