اكتشاف أثري هائل في السودان: 280 معلمًا جنائزيًا ضخمًا يكشف حضارة رعاة منسية تعود إلى 6000 عام

وكالات: في صحراء أتباي القاسية شمال شرق السودان، نجح مسح ساتليتي حديث في كشف واحدة من أهم الاكتشافات الأثرية في القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة. اكتشف العلماء نحو 280 نصبًا جنائزيًا حجريًا ضخمًا، يعود تاريخها إلى نحو 6000 عام، وتشير إلى حضارة رعاة متقدمة اجتماعيًا وثقافيًا كانت مجهولة حتى الآن.

نُشرت نتائج الدراسة في مجلة African Archaeological Review، وتركز على ما أسماه الباحثون «مدافن أتباي المسيّجة» (Atbai Enclosure Burials). يتراوح قطر هذه المعالم بين حلقات صغيرة وبناءات هائلة تصل إلى 82 مترًا، بُنيت بين 4500 و2500 قبل الميلاد، خلال المراحل المتأخرة من الفترة الرطبة الأفريقية، عندما كانت الصحراء الكبرى مراعي خصبة غنية بالمياه والأعشاب.

يؤكد الباحثون أن بناء معلم واحد متوسط الحجم كان يتطلب أكثر من 160 يوم عمل، مما يدل على قدرة هذه المجتمعات على تنظيم جهود جماعية كبيرة وتخطيط دقيق. ويقول الدكتور «جوناثان رايت»، أحد المشاركين في الدراسة: «هذه ليست مجرد قبور، بل رموز معمارية دائمة استخدمها الرعاة للتعبير عن هويتهم، والمطالبة بأراضي الرعي، وتعزيز شبكات التواصل الاجتماعي عبر مناطق واسعة من شمال شرق أفريقيا».

دور الماشية في الثقافة والدين

تكشف الحفريات الأولية أن الماشية (البقر تحديدًا) كانت محورية في حياة هذه الحضارة. وُجدت قبور بشرية مدفونة بجانب قبور بقر، وبعض المواقع تحتوي على ما يصل إلى 18 قبرًا منفصلاً للبقر. يعكس هذا الارتباط الوثيق أهمية الحيوانات ليس كمصدر غذاء فقط، بل كرموز للوضع الاجتماعي والمعتقدات الدينية المتعلقة بالحياة الآخرة. كما تتوافق النتائج مع الفنون الصخرية المنتشرة في المنطقة التي تُظهر البقر في سياقات طقسية ودينية.

استراتيجيات التكيف مع التغير المناخي

لم تُوزع هذه المعالم عشوائيًا، بل رُكزت بالقرب من مصادر المياه الدائمة ومناطق الرعي الخصبة. يشير هذا النمط إلى نمط حياة رعوي موسمي منظم، مع إقامة مواقع طقسية دائمة. ورغم بدء جفاف المنطقة حوالي 3000 ق.م، استمر بناء هذه المدافن حتى الألفية الثالثة قبل الميلاد، مما يدل على قدرة استثنائية على التكيف مع التغيرات البيئية القاسية.

يُعد هذا الاكتشاف إضافة نوعية لفهم تاريخ ما قبل الأسرات في شمال شرق أفريقيا، ويفتح أبوابًا جديدة للبحث حول كيفية انتقال المجتمعات من مرحلة الرعي إلى تشكل الممالك المبكرة في المنطقة. ويأمل الباحثون في إجراء حفريات ميدانية موسعة لاستخراج المزيد من المواد العضوية والأدلة الجينية التي قد تكشف أصول هذه المجتمعات وعلاقتها بحضارات وادي النيل المعاصرة.

يُبرز الاكتشاف أهمية الصحراء السودانية كمختبر أثري هائل، ويذكّر بأن الكثير من فصول تاريخ البشرية لا تزال مدفونة تحت رمال الصحراء تنتظر من يكشفها.

Exit mobile version