خالد محمد أحمد
لا تهدف هذه المقالة إلى الجزم بتبعات الحرب الإيرانية، أو ادِّعاء قراءةٍ حاسمة لمساراتها المعقَّدة، بل إلى فتح كُوّاتٍ للنقاش وشحذ الأفكار عبر تفكيك بعض علاقات التأثير المحتملة.
ومع ذلك، لا شكَّ أن مآلات الحرب الإيرانية ستُلقي بظلالها، بوجهٍ أو بآخر، على مسار الصراع في السودان.
يمكن استشراف هذه التأثيرات من خلال سيناريوهين رئيسين: إمَّا صمود النظام الإيراني رغم الخسائر الفادحة التي يتكبَّدها حاليًا، أو انهياره بالكامل.
وفي كلتا الحالتين، ستبرز بعض التداعيات التي تُعيد تشكيل التوازنات الإقليمية، وتمسُّ الداخل السوداني على نحوٍ مباشر أو غير مباشر.
ومع التسليم بأهمية أدوار قوىً إقليميةٍ عدَّة، كالسعودية ومصر وتركيا، فإن المقالة ستركِّز على أدوار الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة نظرًا لكثافة حضورها وانغماسها في الملفِّ.
من شأن صمود النظام الإيراني أن يفرض على الإمارات التعجيل بإعادة ترتيب أولوياتها داخليًا وخارجيًا.
على المستوى المحلي، قد تنصرف مباشرةً إلى احتواء تداعيات الحرب اقتصاديًا وأمنيًا، وخاصةً إذا تبيَّن أن آثارها فادحة، وأن إعادة الأمور إلى نصابها سيستغرق وقتًا طويلاً ومالًا كثيرًا. ولذلك، قد يُفضي هذا التحوُّل إلى تراجعٍ نسبي يصعُب تقدير مداه في مستوى الانخراط في الملفِّ السوداني، وبالتالي تخفيف الضغط على السودان وإتاحة هامش حركةٍ أوسع له.
أما أنشطة الدعم السريع المدعومة إماراتيًا حاليًا، وخاصةً على الحدود الإثيوبية–السودانية، فيمكن فهمها باعتبارها استكمالًا لتحرُّكٍ سابقٍ للحرب الإيرانية يهدف إلى إبطاء تقدُّم الجيش غربًا، والإبقاء على الوضع الراهن كما هو عليه إلى حين. ويبدو أن الاستمرار في هذا النهج يرتبط بحساباتٍ مرحلية تسعى من خلالها الإمارات إلى احتواء التحديات الراهنة التي تواجهها، على أن تُعيد تقييم الموقف لاحقًا في ضوء مآلات الحرب الإيرانية وتداعياتها الإقليمية.
أمَّا على الصعيد الخارجي، فقد تدفع هذه النتيجة أبوظبي نحو مراجعة مقارباتها الإقليمية، بما في ذلك علاقتها مع طهران، بعد إخفاق رهانات إسقاط النظام. وقد يفرض هذا الواقع (الراجح حتى الآن على الأقلّ) تركيزًا أكبر على إدارة المواجهة سياسيًا على حساب التمدُّد في ملفَّاتٍ أخرى قائمة أو مستجدَّة.
ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن سيناريو صمود إيران قد يدفع الإمارات وجوارها الإقليمي إلى إعادة النظر في علاقاتها مع الولايات المتحدة في ظلِّ تنامي الإحباط من محدودية فاعلية الحماية الأمريكية خلال هذه الحرب، وتآكل الثقة في الضمانات الأمنية التقليدية. وقد يقود ذلك إلى البحث عن بدائل أو صيغ توازنٍ جديدة قد تُضعف مستوى التنسيق السياسي بين أبوظبي وواشنطن في عددٍ من الملفَّات الدولية. وقد تستغلّ قوى دولية أخرى لا تتطابق سياساتها بالضرورة مع التوجُّهات الأمريكية فرصة التباعد الإماراتي الأمريكي لزيادة الضغط على أبوظبي في بعض القضايا، من ضمنها الملفُّ السوداني. ولا شكَّ أن الإمارات وغيرها من دول الخليج ستسعى إلى مراجعة شراكتها مع الولايات المتحدة في كلا السيناريوهين؛ غير أن هذه المراجعة ستكون أكثر إلحاحًا وأسرع وتيرةً في حال استمرار صمود النظام الإيراني.
غير أن هذا التراجع الإماراتي المحتمل في السودان، إنْ حدث، لن يعني انسحابًا كاملًا؛ فمِن المستبعد أن تُقرَّ أبوظبي بفشل سياساتها في السودان صراحةً، لما يحمله ذلك من كلفةٍ سياسية ومعنوية، فضلًا عن الخشية من مطالبتها بتعويضاتٍ. لذلك، الراجح أن يستمرَّ تدخلها عسكريًا وسياسيًا ولكن بصيغةِ أكثر حذرًا ودفاعيةً سعيًا لتقليل الخسائر دون التخلِّي عن المكاسب القائمة.
أمَّا في حال سقوط النظام الإيراني، فإن المشهد الإقليمي سيتجه نحو قدرٍ أكبر من السيولة والانفلات؛ فغياب أحد مراكز التوازن الرئيسة سيمنح قوىً إقليمية، وعلى رأسها الإمارات، مساحةً أوسع للتحرُّك، ويشجعها على تصعيد انخراطها في ساحاتٍ إقليمية عبر أدواتها العسكرية والسياسية، ويساعدها في التفرُّغ لإنجاز طموحاتها في السودان بتكثيف حضورها العسكري والأمني والسياسي عبر وكلائها المخلصين من المدنيين والعسكريين.
ولا يمكن إغفال البُعد النفسي في هذا السيناريو؛ إذْ قد تتجه الإمارات إلى تشديد موقفها تجاه السودان استنادًا إلى ما قد تعتبره مواقف غير وديةٍ رسميًا وشعبيًا، مدفوعةً بما تمَّ تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي من شماتةٍ سودانية، إضافةً إلى موقف السودان الرسمي الذي استثنى الإمارات من بيان إدانة الهجمات الإيرانية على عددٍ من الدول المجاورة. شعور الإمارات بأنها طُعِنت في كبريائها قد يجعل ردَّها على السودان حينها أكثر عدوانيةً وتدخلها أكثر سفورًا.
بالتوازي مع ذلك، قد يفتح هذا التحوُّل شهيَّة إسرائيل لتعزيز نفوذها الإقليمي، وممارسة ضغوطٍ أكبر على حلفائها، وخاصةً الإمارات، لدفع أجندتها في السودان ضمن مشروع إسرائيل الكبرى.
من جهةٍ أخرى، قد يشعر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بنشوة الانتصار، الذي قد يراه امتدادًا لما بدأه في فنزويلا، وربما يدفعه إلى الانتقال سريعًا إلى محطة كوبا. هذا الانتصار قد يدفعه، بتحفيزٍ من الإسرائيليين، إلى تبنِّي سياساتٍ أكثر اندفاعًا في المنطقة، وخاصةً تجاه السودان، ومن الممكن أن تُترجَم هذه السياسات إلى ضغوطٍ مباشرة على الحكومة السودانية للدخول في ترتيباتٍ تفاوضية ستصبُّ في الغالب في صالح الدعم السريع وجناحه السياسي.
إجمالًا، لن يفلت السودان من تأثير السيناريوهين، وإنْ بتفاوتٍ في الحِدَّة؛ فصمود إيران قد يحدُّ من اندفاع القوى الإقليمية ويشغلها بعض الشيء عن السودان، بينما قد يؤدِّي سقوطها إلى إطلاق يد هذه القوى ويفتح الباب أمام تدخلاتٍ أعمق وضغوطٍ أشدّ. ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم هو الداخل السوداني نفسه؛ فكلَّما ازداد ضعفه وانقسامه، أصبح أكثر عرضةً لأن يتحوَّل إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات واحتدام صراع الأجندات الإقليمية، بينما يشكِّل التماسك الداخلي الضمانة الأقوى للحدِّ من أثر هذه التحوُّلات الكبرى. والأهمُّ أن تَدرُسَ الحكومة تبعات السيناريوهين، وتعدَّ العُدَّة لهما على قدم المساواة عسكريًا وسياسيًا ودبلوماسيًا.