كشف موقع “دارك بوكس” (Dark Box) الفرنسي المتخصص في الشؤون الاستخباراتية عن بدء انسحاب وحدات من القوات السعودية المرابطة في البحرين، في تطور أمني لافت اعتبره مراقبون مؤشراً على انتقال التوتر السعودي الإماراتي من ساحات النفوذ الخارجية إلى داخل المنظومة الخليجية نفسها.
ونقل الموقع عن مصادر وصفها بالموثوقة أن هذا التحرك السعودي لم يكن إجراءً فنياً أو إعادة تموضع عسكرية، بل جاء كرد فعل سياسي–أمني مدروس على معلومات استخباراتية تفيد بوجود تحركات إماراتية تهدف إلى توسيع نفوذها داخل البحرين، بما يتعارض – بحسب التقدير السعودي – مع المصالح الاستراتيجية للمملكة وخطوطها الحمراء في محيطها الأمني المباشر.
ويشير التقرير إلى أن انسحاب القوات السعودية، التي شكّلت منذ تدخل قوات “درع الجزيرة” عام 2011 ركيزة أساسية في معادلة الأمن البحريني، يمثل تحولاً حساساً قد يضع مبدأ الأمن الخليجي المشترك أمام اختبار غير مسبوق منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981.
وبحسب مصادر قريبة من المشهد السياسي في المنامة، تعيش المؤسسة الأمنية البحرينية حالة من الترقب وإعادة التقييم، وسط قلق من تداعيات القرار السعودي، خاصة في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية وتشابك ملفات النفوذ في المنطقة.
ويرى محللون سياسيون أن الخطوة السعودية تعكس تحوّلاً في أسلوب إدارة الرياض لملفات النفوذ الإقليمي، حيث باتت أكثر ميلاً لاستخدام أدوات الضغط المباشر لحماية مصالحها الاستراتيجية، حتى داخل الدول الحليفة. ويؤكد مراقبون أن الرسالة لم تكن موجهة إلى البحرين بقدر ما هي تحذير واضح لأبوظبي من مغبة تجاوز التوازنات الحساسة داخل البيت الخليجي.
وحذر خبراء استراتيجيون من أن غياب الثقل العسكري السعودي عن البحرين قد يفتح المجال أمام تدخلات إقليمية أخرى، أو يشجع أطرافاً داخلية على اختبار توازنات القوة مجدداً، ما قد ينعكس سلباً على استقرار المملكة الصغيرة.
واعتبر محللون دوليون أن سحب القوات يمثل أحد أقسى أدوات الضغط السياسي بين الحلفاء، وقد يكون مؤشراً على أزمة أعمق داخل المنظومة الخليجية، لا تقتصر على الخلافات حول ملفات النفط أو اليمن أو السودان، بل تمتد إلى صراع على النفوذ داخل المجال السيادي لدول المجلس نفسها.
ويخلص تقرير “دارك بوكس” إلى أن منطقة الخليج دخلت مرحلة إعادة تشكل سياسي وأمني، تتراجع فيها فكرة التوافق الجماعي لصالح منافسة مفتوحة على قيادة النظام الإقليمي، محذراً من أن استمرار هذا المسار قد يحمل مخاطر جدية على استقرار الدول الأصغر في المجلس.
