اتصال نسبنا بالسيد العباس: حين احتكرت الصفوة القرار عن هويتنا جزافاً (2-3)

عبد الله علي إبراهيم

عن عباسية صديق ود العربي بحلة كوكو شرق النيل.

(أنشر هنا ذيل كتاب ” جامع نسب الجعليين المسمى بالسور الحصين المنيع الباس في اتصال نسبنا بالسيد العباس” للشيخ عبد الله محمد الخبير الذي كنت حررته لمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم ونشره في 1981. وهذا الذيل فصل جديد أردت فيهالإحاطة ما وسعني بما استجد من خطاب الهوية عن سيدنا العباس بين العامة والصفوة)
عام 1981(.

سأل باتريك سميث، مؤلف “قرن قوم آخرين” (2010) لماذا تتهلهل علاقة أقوام كثيرة بماضيها لدى احتكاكها بالغرب. فتجد صفوتهم المستحدثة تستثقل هذا الماضي وتعده قيداً يحول دونها ودن الانطلاق في رحب الحداثة.
وعليه لا يجد ما يفعله الصفوي الحديث حيال ثقافة هذا الماضي سوى أن يعمل فيها “قلم التصحيح”. وكانت نسبة عرب ومسلمي النيل الأوسط إلى سيدنا العباس رضي الله عنه مما لم يصمد أمام هذه القلم المتأمر. فكذبوا
هذه النسبة ثلاثاً.

لو لم تحمل هذه الصفوة النسبة بحرفية لربما وجدوا معنى فيها مباركاً. فبالوسع أخذ النسبة للعباس كفكرة لا عرقاً. فمن قال في إنجليزية يومنا ب”نوبل” (noble) لم يرد مراد القرن الرابع عشر الذي كانت فيه رتبة تولد فيها أو تمنح لك من الملك معززة بامتيازات موروثة ودالة على السمو
الاجتماعي أو السياسي. وبها يتميز شخص ذو مقام اجتماعي وسياسي رفيع معلوم هو درجات فوق الزول العادي. ف”نبيل” تعكس في زماننا قيماً اجتماعية عن الجزالة والفضيلة في تداخل الناس بعضهم البعض.
ولو لا سبق التدبير والترصد لوجد من جئنا بذكرهم من الصفوة في “العباس” ما نجد في “نبل” الإنجليزية المستجدة معيارً للأريحية والفضل لا سلفاً في التاريخ. فالعباس عصارة فقه النبل. وليس يبلغه كل أحد انتسب للعباس لأنه قيمة شماء يسقط عباسيون كثر دون حالق عزائم خلقها. فهي ذاكرة في الجزالة والفضيلة من مثل قولنا “برمكي” العائدة إلى برامكة الدولة العباسية، أو حتى “هلالي” المنسوبة على بني هلال ممن عرفوا بالعملقة.
ووجدت هذا المعني في جلسة أنس سائرة في الوسائط توسطها راو حافظ صبيح الوجه يحكي لمن حوله حكاية ود عبد الرسول ود العربي من حلة كوكو بشرق النيل. فأسدى العربي معروفاً لود عبد الرسول أنقذ به حياته فذكره
في دوباي خصه في معيار النبالة ب “العباس” دون جملة أصحابه. فالعباسية، إن انتسبت لها، وجدتها ذرى خصائل ورعان مكرمات يرقاها المنتسب لها أو يسقط.

أصيب بابكر ود عبد الرسول بسحائي وأصابه شلل. وكان ينبطح من شدة
المرض على عنقريب صغير عند قهوة الصديق ود العربي (في حلة كوكو ببحري) والغيبة (غيبة الشمس) بيقوم. اليوم داك من الحمى ما قام مع الغيبة لغاية ما أليلت وود العربي قفل لقاهو:
-دا ود عبد الرسول
فقال ماله الزول دا ما عادي. هبشه لقى وردتو شديدة.
فنادى:
أرفع ارفع يا جنى
أركبوه العربية. وكان ود العربي قائماً للحج بعد ثلاثة أيام. رفعوه
ودهو لمستشفى الخرطوم بحري. طوالي كرتنو قالوا له عنده سحائي وأصابه الشلل. وكان ود عبد الرسول يستغيث بالصالحين. رقدوه في العنبر ليذهب ود العربي لحلة كوكو يسأل:
أليس من جعلي هنا؟ قالوا له في جعلي اسمه محمود عنده دكان. فمضى له. وقال له يا محمود بتعرف بابكر ود عبد الرسول. قال له بعرفه بلحيل الراجل ود أعمي. قال له الولد دا أنا مرقدو في الكرنتينة وباكر قائم للحج. داير أديك العربية والجنى ولدي دا وتلازموا بابكر دا. إن مات شيلوه بالعربية أدفنوه. وإن عاش ودهو للبيت كرموا له. والعربية دي تكون قصاد بابكر.
قال محمود حاضر.
قال ود العربي: تقيف (العربة) له. تقيف لبابكر
بابكر وعى بعد ثلاثة أيام. فوجد محمود بجانبه:
-محمود أنا الجا بي هنا شنو؟
وحكى له محمود بالحاصل. فقال لنفسه:
يسألك الله يوم مجذوعة روحك كاره
وين رَفْعة قزازك (زجاجة الخمر) وبكرة نمشي السارة
قال أحدهم: ديل ناس الكبه، أي أصدقاؤه ممن افتقدهم في محنته. (أي شرب
الخمر في إنداية لمن اسمها السارة)
مستمع: مريسة

(واصل الحديث إلى نفسه)
أصلو مكتوبة والعرَّفت مي ضارة
شالوك العزاز نسبك بلاقو الحارة
يوم مجذوعة عينيك في تراباً كاره
مين الجاكي غير عباسي عماً وخاله

(نفسو قالت له)
صوت كرعاعة العَين أم بروقاً شالت
ترا ما خلا لِسنات (ألسن) البيشَمتو طالت
مستمع: الله أكبر. استحسان. أعاد أحدهم المقطع

وين صُدقاك قبل طول النهار تضحكو
وسمعوبك خطر قايلين دا ودعو فكو
(ضحك تواصل)
الني برجع النار دا مقطوع شكو
المو لايق شن بتدور بو أعمل سكو
(ضحك)

قالها (لنفسه)
قَبُل يا نفسي لامهم بُلك في الحارة
فوق للمية فد زول ما جا قال كفارة
توبي وصلي كان بتعرفي يا الأمارة
حلاك البتكفيك من نقايبو (نقائب) بغارة (بغر، يقال حاسد أم بغران)

نفسو قالت:
عدم الحميدة مسيخ ولوّام انت
من المره بحسين طه ما جوك ستة
قال لها:
في المستشفى فوق من الشهر ما زدت
ما تناقشيني بنفرزم بالحتة
(ضحك)

صُدقاك القبل يا نفسي فوقم حارنا
في المستشفى ما لُم ما في واحد زارنا
الضحكة مي ناجحة وعرفنا ودارنا
كان فسرنا فيهم ود بلدنا وجارنا
(ضحك)
مستمع: أخير ما يفسر
الراوي (كرر): فيهم ولد بلدنا وجارنا

وين صُدقاكي طلعت خوتهم مزغولة
ضحكة وكاس مريسة بنشربها وبنبوله (ضحك)
(. . . ) حامت ووقفت وطوله
شِقّي دا فيهو زمة والكراع معقولة
أها هني قال (اللهم مصلي على الرسول)
يسألك الله يوما في السرير مسبولة
أهل الله ما جوك شله فارزه التاني من الأولى

نفسو قالت له:
الحي إن بقي في كربة والله بزولا
قال لها
الترياقه ابيتيهو وكرهت الشربا
(أخطأ هنا وخلط ومشى إلى قصيدة أخرى. فقال لا دي براها. فوق الجنا
دا. أبو الجنا دا العمدة أبو الجنا دا)
(مستمع يوافقه ويأتي ببيت من القصيدة الخطأ)

وواصل الراوي الحكي:
الصديق ود العربي مشى الحج وود عبد الرسول نِصح ومشى البيت وكرموا له
وباشر شغلو. وود العربي جا من الحج. وسأل:
-أها يا ناس بابكر البقى عليهو شنو؟
-والله نصح وكرموا له وباشر عملو في معمل الألبان.
واحد لقى بابكر في الحلة قال له ليهو أم بارح صاحبك جاء من الحج.
-الصديق جا
-الصديق جا
شال بسطونته بكرعيه ساكت. لما جاء في باب الديوان الناس شافوه قالو
دا ود عبد الرسول. ود العربي اتلقاهو بره. اتلقاهو حفيان ساهي.
قال (ود عبد الرسول) له:
يا للضيف تباشر ماك صاحب لجة
يا للجدك البحر الدميرة أب فجة
البتدورها بتسويها من دون رجة
أهلا بيك حبابك ألف هنية الحجة
مستمع: “الله أكبر” وضحك من آخرين.

وواصل:
حبابو مِن عمايل بخسه واقف قر
مرحبتين حبابك تلتمية طن
مستمع: والله ترحاب.
حباب عدد الكراسي الفي دُفعتك جن
ومن ربحتن غيرك اتيقن (عهد بترك الشراب)
وقال الراوي: وحلف من ديك ما شرب خمرة. نهائي.

وواصل:
صاحبي الما هو حاسد ومو ضعيف ومعقد
صاحبي اللضعاف زمن العوج بتفقد
صاحبي الضيفو يكرم وينبسط ويترقد
صاحبي الحر وعباسي وعزيز ومنقد

تلقى ضيوفو زي بهم الخريف العازلة
كل زول بي البليق لو الليلتو ليهم بازلة
جدك ذاتو ما رجاك كلمتن عازلة
ايدك قنبلة وكركاعة كرت نازلة
مستمع: أبشر بالخير
الراوي ضاحكاً: “أبشر بالخير والله” في وسط استحسان
مستمعيه.

ذكر ود عبد الرسول عباسية ممدوحة الصديق في موضعين:

مين الجاكي غير عباسي عماً وخالة؟
صاحبي الحر وعباسي وعزيز ومنقد

واختار الحديث في أول أمره إلى نفسه ليعمدها بالنار من خطايا عرفها
عنها بعد أن شع هذا “الحر وعباسي وعزيز ومنقد” في دنياه. جاءه الصديق في يوم هول فأسعفه في حين لم يعده أحد من شلة مجالس شربه أحد، بل لم يزره “من فيهم ود بلدنا وجارنا” وهم عباسيون نسباً بالطبع. فاستبخسهم جميعاً مأخوذاً بنجدة ود الصديق له ووضع إمكانياته تحت تصرفه وهو في غيبوبة المرض حتى يعود من الحج. بل وتجد من الجمهور المستمع للراوي من أخذته مكرمة ود الصديق على الشاعر، التي قطعت ألسنة الشمات، أخذاً لم يعد العباس بها سلفاً، بل نبلاً، في يومهم وغدهم من أمسهم. إنه سمو خلق مما يورث ولكنه مثل الشبال بحقه كما نقول. وحقه مما لا يطيق وعثاءه إلا أولو العزم ممن العباسية عنده مرقى إلى الجزالة.

ونواصل

Exit mobile version