إقليم ابتلعته الجغرافيا السياسية.. كيف تحول القرن الأفريقي إلى مركز ثقل عالمي؟
Mazin
يُنظر إلى القرن الأفريقي في الغالب باعتباره منطقة أزمات وفقر وحروب أهلية، وهي صورة لها ما يبرّرها في تاريخ طويل من النزاعات والانقلابات والأزمات الإنسانية. غير أن هذه الصورة على واقعيتها، تحجب تحوّلًا جوهريًا جرى خلال الفترة الأخيرة خاصة بعد الأزمة التي خلفتها الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران وما تبعها من إغلاق لمضيق هرمز، فقد أصبح القرن الأفريقي واحدًا من أهمّ مواقع التنافس الجيوسياسي في العالم، والسبب في ذلك يعود إلى الجغرافيا قبل السياسة، فهو يشرف على ممرّات بحرية حيوية تربط آسيا بأوروبا، وقد تحوّل ساحله إلى ساحة مزدحمة بالقواعد العسكرية والموانئ والتحالفات الاقتصادية والصراعات الإقليمية المتشابكة.
تنبع أهمية القرن الأفريقي من كونه نقطة التقاء ثلاثة عوالم بحرية وبرية في آن واحد: البحر الأحمر شمالًا، وخليج عدن والمحيط الهندي جنوبًا وشرقًا، والعمق الأفريقي غربًا. وفي القراءة الضيّقة يضمّ الإقليم الصومال وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، بينما تتّسع القراءة الأشمل للقرن الأفريقي الكبير لتشمل السودان وكينيا و”صوماليلاند”. هذا الموقع لا يجعل الإقليم ممرًّا تعبره التجارة فحسب، بل بوّابة تتحكّم في تدفّقها، وهو فرق جوهري سنعود إليه.
تستمد هذه المنطقة أهميتها الاستراتيجية من موقعها الفريد كبوابة شرقية لأفريقيا وحارس جنوبي للبحر الأحمر وخليج عدن، مما يجعلها تشرف على ممرات الملاحة البحرية الدولية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس. وتتموضع جغرافيا الإقليم عند مضيق باب المندب، وهو حلقة الوصل الحيوية التي لا يتجاوز عرضها عند أضيق نقطة حوالي ثلاثين كيلومترًا بين شواطئ جيبوتي واليمن، حيث تتدفق من خلاله يوميًا ملايين البراميل من النفط والغاز المسال بجانب السلع التجارية التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد العالمي.
إن الطبيعة الممرية الحساسة لهذه المنطقة تعني أن أي اضطراب أمني أو عسكري فيها ينعكس فورًا على تكلفة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية، وهو ما تجلى بوضوح في ضوء الهجمات المستمرة التي شنتها جماعة الحوثي على سفن وصفتها بأنها مرتبطة بـ”إسرائيل”، مما كشف هشاشة هذا الممر المائي وحوله إلى بؤرة مستمرة لعرض القوة والردع المتبادل بين التحالفات العسكرية الدولية والقوى الإقليمية المتنافسة.
فالممر الملاحي الذي يبدأ من قناة السويس شمالًا، مرورًا بالبحر الأحمر، وصولًا إلى مضيق باب المندب في أقصى الجنوب، يمثّل الطريق الأقصر بين أوروبا وآسيا، وتشير التقديرات إلى أنّ نحو 12% من التجارة العالمية ونحو 30% من حركة الحاويات بين القارتين تمرّ عبره في الظروف الطبيعية، وأيّ بديل عنه، كالدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، يضيف ما بين عشرة وأربعة عشر يومًا إلى الرحلة، وقرابة مليون دولار من تكاليف الوقود في الرحلة الواحدة ذهابًا وإيابًا، وبهذا تصبح الجغرافيا نفسها أصلًا استراتيجيًا، لا مجرد خلفية للأحداث.
ولا تقتصر أهمية القرن الأفريقي على التجارة وحدها، بل تتضاعف بفعل عاملين إضافيين:
الأول هو القرب من أخطر بؤر التوتر، فالساحل الأفريقي للبحر الأحمر يقع على مرمى حجر من اليمن المشتعل، ومن السودان الغارق في حربه التي أصبحت صراعًا بالوكالة نتيجة للتدخلات الإقليمية، ومن خطوط التماس الإثيوبية – الإريترية. هذا القرب يرفع القيمة الاستراتيجية للمواقع الآمنة نسبيًا داخل محيط مضطرب.
الثاني، أنّ النفط والغاز يعبران هذا الممرّ مع البضائع، وهو ما يربط استقراره مباشرةً بأسواق الطاقة العالمية، وتقاطُع شريانَيْ التجارة والطاقة في ممر واحد ضيّق هو ما يفسّر كيف يتحوّل أيّ اضطراب محلي إلى حدث عالمي.
القرن الأفريقي: جغرافيا متميزة تمثل الجغرافيا في القرن الأفريقي مصدر أهميته ومصدر أزماته في الوقت نفسه، إذ تتجلّى خصوصيتها في ثلاث مزايا متكاملة:
تتمثّل الأولى في الإشراف على البوّابة لا على الممر، والفرق بينهما جوهري.. فالممرّ يُعبَر، أمّا البوّابة فيمكن نظريًا فتحها وإغلاقها، وبما أنّ سواحل القرن الأفريقي تطلّ مباشرة على مضيق باب المندب، أضيق مواضع الممر، فإنّ من يسيطر على هذا الساحل لا يستفيد من التجارة العابرة فحسب، بل يملك قدرة محتملة على التأثير في تدفّقها. وهذه القدرة على التحكّم، لا مجرد الاستفادة، هي ما يحوّل الموقع الجغرافي إلى أداة نفوذ.
وتتمثّل الميزة الثانية في اقتران السواحل الطويلة بالدول الهشّة. فالصومال وحده يملك أطول ساحل في أفريقيا القارية، لكنّ طول هذا الساحل ترافق مع ضعفٍ مزمن في الدولة المركزية، وهذا التزاوج بين موردٍ استراتيجي بالغ القيمة وسلطةٍ مركزية عاجزة عن إدارته هو الثغرة التي نفذت منها القوى الخارجية، إذ تقدّمت لتملأ الفراغ بالمال والسلاح حيثما عجزت الدولة عن ملئه.
أمّا الميزة الثالثة فهي وجود عمقٍ حبيس خلف الشريط الساحلي، تمثّله إثيوبيا بكتلتها السكانية التي تتجاوز مئة وثلاثين مليون نسمة، واقتصادها المتوسّع، لكنها مع ذلك تظلّ بلا منفذ بحري. وهذا التناقض بين الثقل الديموغرافي والاقتصادي من جهة، والحبس الجغرافي من جهة أخرى، يولّد ضغطًا دائمًا في اتّجاه البحر، وهو ضغط يحرّك الصفائح الجيوسياسية للمنطقة بأكملها كما سنوضح لاحقًا.