إقتصاد الحرب في دهاليز التهريب

جرد حساب
عادل الباز
١
في خضم الصراعات والنزاعات، يبرز مفهوم “اقتصاد الحرب” كواقع مرير تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع ديناميكيات الصراع، محولاً الموارد الوطنية إلى وقود يغذي آلة الحرب أو ثروات تُستنزف عبر قنوات غير مشروعة. هذا المقال يسلط الضوء على تداعيات هذا الاقتصاد الظلي في السودان، وكيف أثر على صادراته الرئيسية من الصمغ العربي، الفول السوداني، السمسم، والذهب، كاشفاً عن شبكات تهريب معقدة تستفيد من الفوضى، ومقترحاً حلولاً استراتيجية لمواجهة هذا الاستنزاف.
٢
هناك خبرٌ لم ينتبه إليه الكثيرون، لكنه يحمل في طياته الكثير من الدلالات: فقد أظهرت بيانات الجمارك الفرنسية أن تشاد تجاوزت السودان -لأول مرة- كمورد رئيسي للصمغ العربي إلى فرنسا خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026. لم تكن هذه النتيجة طفرة في الإنتاج التشادي، بل كانت انعكاساً لتعطل الصادرات السودانية بسبب الحرب، مما دفع المشترين الدوليين للبحث عن بدائل، حتى وإن كانت في جوهرها بضاعةً سودانية أعيد توجيهها.
تتحدث الأرقام بأن صادراتنا من الصمغ العربي بلغت 114 مليون دولار فقط، بعد أن كانت 203 ملايين دولار في عام 2022. وفي الوقت الذي حذرت فيه الأمم المتحدة من أن جزءاً من هذه التجارة بات مرتبطاً بتمويل الحرب، داعيةً الشركات إلى تشديد إجراءات التحقق من سلاسل التوريد، كانت الوقائع على الأرض تروي قصة مختلفة. فقد خرجت مناطق الإنتاج الرئيسية في غرب وشمال كردفان عن الخدمة بسبب العمليات العسكرية، وسقطت مدينة “النهود” -مركز تجارة الفول السوداني- مما عطل حركة النقل والتسويق، وارتفعت تكاليف الطرق والمخاطر الأمنية، ليتحول الإنتاج تدريجياً نحو التجارة غير الرسمية والتهريب.
٣
الحقيقة المرة هي أن التقارير الدولية حول تمويل الصمغ العربي للحرب لم تمنع “كارتيلات” الصمغ في أوروبا من مواصلة نشاطها؛ بل إن بعض المصدرين السودانيين نقلوا نشاطهم إلى “إنجمينا” ليصدروا الصمغ السوداني بوصفه تشادياً. والملفت أن المليشيات أصبحت الطرف المسيطر على تجارة الصمغ والمشتري الأول له، ومع ذلك، تتعامل الشركات الأوروبية مع الشركات التابعة للدعم السريع دون أي تفكير في حظر الصمغ، على النقيض مما حدث مع الذهب السوداني، حيث صدر قرار بحظر الذهب السوداني.
والسبب يكمن في المصالح؛ فالاتحاد الأوروبي يستهلك ما بين 35% إلى 45% من التجارة العالمية للصمغ العربي، أي ما يعادل 70 إلى 90 ألف طن سنوياً من سوقٍ عالمية قوامها 200 ألف طن. وقد كان السودان تاريخياً يوفر 70-80% من هذا الإنتاج. وعليه، فالصمغ العربي مادة استراتيجية تدخل في المشروبات الغازية، والأدوية، واللقاحات، والحلويات، ومستحضرات التجميل، والطباعة، ويصعب تعويض “صمغ الهشاب” السوداني ببديل بنفس الخصائص. هنا، نرى كيف تُرَجَّح المصالح الاقتصادية وتُسترخص الدماء؛ فتُحظر صادرات الذهب لأنها تغذي الحرب، وتُستثنى صادرات الصمغ لنفس السبب!
٤
لم يقتصر المشهد على الصمغ، فقد شهد الفول السوداني تراجعاً مشابهاً؛ فبعد أن كان السودان مصدراً رئيسياً، تراجعت عائداته إلى مليوني دولار فقط في عام 2025، مقابل 351 مليون دولار في 2022. وانتقلت الشركات الصينية -المستورد الأكبر- إلى تشاد، حيث يُنقل الفول عبر مسارات التهريب إلى تشاد وجنوب السودان، ثم يُعاد تصديره عبر موانئ إقليمية كـ “دوالا” في الكاميرون و”مومباسا” في كينيا.
٥
أما السمسم، فقد تراجعت صادراته من 605 ملايين دولار قبل الحرب إلى 333 مليون دولار بعدها. وتشير التقارير الدولية إلى أن جانباً كبيراً من صادرات تشاد من السمسم (التي قُدرت بـ 30 مليون دولار) هو في الأصل إنتاج سوداني مُهَرَّب؛ وهو ما تؤكده ثبات معدلات استيراد الدول الكبرى (الصين، تركيا، مصر، السعودية) من السمسم، مما يعني أن الإحصاءات الرسمية لا تعكس الإنتاج التشادي وحده.
٦
أما في مجال صادرات الذهب، فتشير البيانات إلى أن مصر صدّرت 75 طناً من الذهب بحصيلة بلغت 7.6 مليارات دولار، رغم أن إنتاجها المحلي (من منجم السكري والمناجم الأخرى) يتراوح بين 15–18 طناً سنوياً. هذا الفارق الكبير بين حجم الإنتاج وحجم الصادرات يشير إلى أن الذهب السوداني قد وجد طريقه إلى السوق المصري. هذا التباين الصارخ بين الإنتاج المحلي المصري وحجم الصادرات المعلن، يكشف بوضوح أن السودان بات يمول استقرار جيرانه اقتصادياً بذهب أرضه، بينما ينزف هو في أتون الحرب.
٧
هكذا، كل صادراتنا الآن تُهَرَّب في أغلبها لدول الجوار لتُصَدَّر من هناك. مؤكد أن الحرب هي السبب الرئيسي، ولكن هناك جهد مطلوب من الدولة للسيطرة على الأقل على طرق التهريب، حتى إذا كانت تحت سيطرة المليشيات، وذلك بتهديد تلك الطرق أو إغلاقها على المهربين.
٨
إن هذا الاستنزاف المستمر لمواردنا الوطنية لا يمثل خسارة مالية فحسب، بل يضعف قدرة الدولة على الصمود الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب. لم يعد الخيار متاحاً بالانتظار؛ فإعادة بناء هيكل الصادرات وحماية المسارات التجارية يجب أن تكون جزءاً لا يتجزأ من أجندة الأولويات الوطنية. إننا أمام معركة اقتصادية موازية للحرب العسكرية، تتطلب رؤية استباقية تحول دون ضياع ثروات البلاد في دهاليز التهريب، وتضمن عودة السودان لمكانه الطبيعي كفاعل رئيسي في سلاسل الإمداد العالمية. ولمواجهة هذا الاستنزاف الاقتصادي وحماية الموارد الوطنية، يمكن تقديم عدة مقترحات منها: تفعيل الرقابة الرقمية باستخدام التقنيات الحديثة مثل الأقمار الصناعية لمراقبة مسارات التهريب، وتحفيز المنتجين بتقديم حوافز وتسهيلات لضمان استمرار القنوات الرسمية للتصدير، وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية للضغط على الشركات الدولية لمنع شراء المنتجات المهربة، وتعزيز الأمن الحدودي بتكثيف الوجود الأمني على الحدود خاصة الشمالية. تطبيق مثل هذه المقترحات او غيرها سيسهم في استعادة السيطرة على الموارد الوطنية، ويعزز من قدرة السودان على التعافي الاقتصادي بعد انتهاء الحرب، ويضمن مستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً.

Exit mobile version