أكتوبر على خشبة المسرح: السر السيد ينعش الذاكرة المنسية
Mazin
فيما أرى عادل الباز ١ لا تستعيد هذه المقالة ثورة أكتوبر بوصفها حدثًا سياسيًا فحسب، بل تحاول النظر إليها من خلال ما تركته في المخيلة الفنية والمسرحية؛ إذ تكشف النصوص المنسية جوانب لا تظهر في السرديات السياسية المعتادة، وتتيح قراءةً أخرى للثورة وامتداداتها في الوعي السوداني.
1. *أزمة الذاكرة الثورية وموات التغيير* مرّت ذكرى ثورة أكتوبر بلا ضجيج، وهي ظاهرة أخذت ألاحظها منذ سنوات؛ إذ لم تعد «أكتوبر» تمسّ وترًا في وجدان السودانيين، بعد أن كانت، في زمان سابق، تشعل الساحة السياسية جدلًا وتنافسًا وتفاخرًا بين القوى والشخصيات التي صنعت تاريخها… تُرى، لماذا؟ الحقيقة ان هذه الظاهرة لا تتعلق بثورة أكتوبر وحدها، بل تتعداها إلى كل ما سُمّي بالثورات في تاريخنا المعاصر؛ إذ بدأ بعض السودانيين، وربما قطاعات واسعة منهم، ينظرون إلى هذه الثورات باعتبارها تجارب محفوفة بالخيبات واللعنة. والسبب، فيما يبدو لي، أن تلك الثورات لم تفِ بما وعدت به من «حرية وسلام وعدالة»، بل قادت البلاد، في مراحل لاحقة، إلى خراب تام؛ فقد أعقبت التجارب السياسية المتعاقبة انكسارات متتالية، فتلا ثورة أكتوبر ذبحٌ للديمقراطية على أيدي الطائفية، ثم جاء انقلاب 1969 والمجازر الدموية في 1971 بفعل الانقلاب الشيوعي ومذابح ود نوباوي. ثم جاءت ثورة أبريل 1985، التي فتحت الطريق لانقلاب الإسلاميين في 1989، والذي أطاحت به ثورة 2019، لتقود بدورها إلى الانقسام والحرب والدمار الشامل… فما الذي يتبقى للسودانيين لكي يحتفوا به في هذه الثورات؟ وما الذي يدعوهم إلى الاحتفاء بالخراب الذي قادت إليه هذه اللعنات القاسية؟ هنا بالتحديد يكمن سر موت فكرة التغيير الثوري في النفوس، وفقدان الإحساس بأهمية تلك اللحظات المفصلية. وكان الدكتور عبد الله علي إبراهيم، الذي ظل مثابرًا في إحياء ذكرى أكتوبر، يدعو دائمًا إلى دفع الافتراء عنها وإماطة الأذى عن طريقها، باعتبارها طفلنا الذي جرحه العداء؛ إذ يقول: «الثقافة السلبية التي اكتنفت ثورة أكتوبر لم تعد سائغة إلا في أناشيدها، فصار ذكرها مقرونًا بالتخريب لا التغيير؛ فهي التي أفسدت الخدمة المدنية، وثارت بغير سبب وجيه على نظام رحيم أبوي، وشهيدها الأول مات صدفة، بينما كان يحمل بشكيره إلى حمام داخلية بحر الزراف، وإن كانت صدفة عارضة زعزعت الإدارة الأهلية». 2. *شحّ المدونات المكتبية حول أكتوبر* عن نفسي، فقدت الإحساس بضرورة إعادة قراءة ما يُكتب أو يُقال عن «ثورة أكتوبر»؛ فلم يعد هناك جديد يُضاف. إذ استنفدنا كل سردياتها وحفظنا أناشيدها، ومنذ سنوات طويلة لم يُقدَّم جديد على مستوى الحكاية أو التحليل. والغريب أنه، على الرغم من الهالة والأسطرة اللتين حِيكتا حول أكتوبر، واهتمام المثقفين الاستثنائي بها، لم يُكتب حولها سوى عدد محدود جدًا من الكتب: «الثورة الظافرة» لأحمد محمد شاموق، وكتاب «ثورة شعب»، الذي أصدره الحزب الشيوعي ثم اختفى، وكتاب «ربيع ثورة أكتوبر 1964» للدكتور عبد الله علي إبراهيم، إضافة إلى كتابات متفرقة، ومجموعة أوراق أصدرها مركز الدراسات السودانية، بقيادة د. حيدر إبراهيم، رحمه الله، بعنوان «خمسون عامًا على ثورة أكتوبر 64 إلى 2014: نهوض باكر»؛ وهو جهد عظيم يُحسب للمركز. كما أن هناك كتابًا آخر ألّفه الأكاديمي الأمريكي كلايف تومسون، الذي عاصر أكتوبر أستاذًا بجامعة الخرطوم. والفضل في تعريفنا بهذا العمل يعود إلى الأستاذ عبد الله علي إبراهيم، الذي نبّهني إليه؛ فقمنا بترجمته ونشره كاملًا في صحيفة «الأحداث» عام 2009. وأذكر أن حفيدة الكاتب تومسون شاركتنا، مصادفةً، الاحتفال بطباعة الكتاب في الخرطوم. 3. *المسرح كمرآة للتاريخ: إضاءات السر السيد* لكنني أعود اليوم لأكتب عن ثورة أكتوبر من زاوية مختلفة: زاوية المسرح السوداني، وذلك عبر استعراض كتاب جديد للكاتب والناقد المسرحي المبدع، الأستاذ السر السيد، صاحب العطاء الممتد لخمسة عقود في خدمة الثقافة السودانية. إن بصمة السر في المشهد الثقافي لا تخطئها عين؛ فقد تنوّع عطاؤه، بدءًا من الإذاعة السودانية التي أثراها ببرامج متنوعة، مرورًا بالدراما التلفزيونية التي شهدت، أثناء قيادته لإدارتها في التسعينيات، طفرة حقيقية لا تُقارن بما قبلها أو بعدها. أما إسهامه المسرحي، فالسر يُعدّ الناقد المسرحي الأبرز الذي استمر عطاؤه لعقود، وأسهم في تشكيل أفق النقد المسرحي الحديث، مؤلفًا أكثر من سبعة كتب قيّمة. مؤخرًا أهداني السر كتابه الصادر حديثاً عن دار المصورات بعنوان «ثورة أكتوبر 1964 في المسرح السوداني»، وفيه يقف على الثورة من منظور خشبة المسرح، فيرصد ثلاثة نصوص مسرحية غابت عن ذاكرة التوثيق للثورة التي طالما احتفت بها الأناشيد، بينما أُغفلت في المسرح والثقافة. ويكشف استعراض هذه النصوص تفاوتًا واضحًا في طرائق تمثيل الثورة، بين المسرح التسجيلي، والمسرح التقليدي، والنص ذي الطابع الملحمي. استدعى السر السيد نص مسرحية «*القصر والنصر*»، التي كتبها د. عبد الله علي إبراهيم عام 1969، والتي جرى عرضها، بحسب السر، في 28 أكتوبر 1969؛ وهو اليوم ذاته الذي سقط فيه شهداء برصاص، وهم متجهون إلى القصر الجمهوري، قبل ذلك بأربع سنوات. 4. *قراءة في النصوص والتقنيات المسرحية* ارتكزت مسرحية «*القصر والنصر*» على النص، ووظّفت تقنيات الدراما المتنوعة، مستندةً إلى رؤية فكرية دافعت عن الثورة وقيمها، لتشكّل بذلك الإسهام الأبرز للمسرح في توثيق أكتوبر. وبحسب السر السيد، تنتمي هذه المسرحية إلى «المسرح التسجيلي»، الذي يبني أحداثه على وقائع حقيقية، تزاوج بين الواقع والمتخيّل، وقد شاركت في تشخيصها جماعة «أبادماك» الثقافية. كما كشف الكتاب عن مسرحية أخرى غير متداولة لكاتب غير معروف هو مهدي الطيب، وهي تقع ضمن اتجاه المسرح التقليدي الذي يحتفي بالنص والكلمة المباشرة، دون الاعتماد على التقنيات المسرحية الحديثة؛ ولهذا السبب أهملها المسرحيون، ولم تُسجَّل في التاريخ الرسمي للمسرح. أما النص الثالث فهو «ملحمة أكتوبر»، الذي نشره السر ملحقًا في الكتاب. وإن كنت أرى أن إطلاق مسمّى «مسرحية» عليه فيه شيء من التعسّف والجموح؛ إذ لم ينعتها مؤلفوها بذلك، كما أنها تبتعد بخصائصها عن جنس الدراما المسرحية. 5. *قراءات نقدية جديدة وتجاوز إحباطات الواقع*
تظل ثورة أكتوبر محطة فارقة في الوجدان السوداني، رغم ما اعتراها من تراجيديا الخيبات والانتكاسات السياسية اللاحقة؛ فقد ألهمتنا فكرة التغيير السلمي للسلطة مبكرًا، وجسّدت الإيمان بقدرة الشعب على الفعل السياسي قبل عقود مما عُرف بالربيع العربي. إن خبو الاحتفاء التلقائي بها اليوم لا يعني زوال قيمتها التاريخية، بل يعكس حاجتنا الماسّة إلى تجاوز السرديات النمطية والمباشرة، والانتقال نحو قراءات نقدية وإبداعية أكثر عمقًا. وهنا تجيء إضاءات السر السيد لتؤكد أن الفن والمسرح هما الملاذ الآمن لقراءة التاريخ حين تتكسر أوهام السياسة؛ فمن خلال الإبداع يتجلّى فعل التغيير كحراك ثقافي وإنساني ممتد، يتجاوز مرارات الواقع وإحباطاته اللحظية. إن البحث في هذه الزوايا المنسية يُعيد إلى الذاكرة الوطنية حيوية الروح، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي الضيق، لتظل أكتوبر ملهمة للوعي والتأمل. ومن هنا لا تبدو مهمة المسرح مجرد استعادة أحداث مضت، بل إعادة اختبار معناها في الحاضر؛ فالثورات لا تبقى حيّة بما تحققه من انتصارات سياسية فقط، وإنما بما تتركه من أسئلة وأساليب جديدة لفهم المجتمع والإنسان والتاريخ. وفي هذا المعنى، يقدّم كتاب السر السيد إضافة مهمة إلى الذاكرة السودانية، لأنه يفتح أمام أكتوبر طريقًا آخر للقراءة، ويمنح المسرح دوره بوصفه شاهدًا نقديًا على ما حدث، وشريكًا في تخيّل ما يمكن أن يحدث.