أفريقيا ومعركة المعادن الحرجة.. هل تتكرر قصة النفط في عصر البطاريات؟
Mazin
لم تعد المعادن الحرجة مجرد مواد تدخل في صناعات متخصصة، بل أصبحت إحدى ساحات التنافس الكبرى في الاقتصاد والسياسة الدولية.
فالنحاس والليثيوم والكوبالت والغرافيت والعناصر الأرضية النادرة تدخل اليوم في شبكات الكهرباء والسيارات الكهربائية والبطاريات ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية. وبذلك انتقلت هذه المعادن من هوامش التجارة العالمية إلى قلب مفهوم الأمن القومي. في هذا السباق تقف أفريقيا في موقع استثنائي. فالقارة توفر نحو 75% من المنغنيز العالمي، و70% من الكوبالت، ونحو 20% من النحاس، لكنها لا تحصل على أكثر من 1% من القيمة العالمية لصناعة تقنيات الطاقة النظيفة ومكوناتها. هذه المفارقة تختصر المشكلة كلها: أفريقيا غنية بما يحتاجه العالم، لكنها تظل فقيرة في المراحل التي تصنع القيمة الحقيقية. (IEA) المشكلة ليست جديدة. طوال القرن الماضي صدرت القارة النفط والذهب والنحاس والماس واليورانيوم والمنتجات الزراعية، ثم اشترت المنتجات النهائية المصنوعة من مواردها نفسها بأسعار أعلى. والخوف الآن أن يتحول عصر البطاريات والطاقة النظيفة إلى إعادة إنتاج للنموذج نفسه: خام أفريقي، وتصنيع صيني أو أوروبي أو أمريكي. الأرقام تجعل الرهان أكبر من أي وقت مضى. وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يتضاعف تقريباً الطلب على المعادن الحرجة حتى 2040 وفق السياسات الحالية، بينما قد يزيد الطلب على الليثيوم بأكثر من ثلاثة أمثاله. أما النحاس، الذي يشكل العمود الفقري لشبكات الكهرباء ومراكز البيانات والصناعات الجديدة، فقد يزيد الطلب عليه بنحو 7 ملايين طن إضافية حتى 2040. وفي الوقت نفسه تشير الوكالة إلى احتمال استمرار عجز في إمدادات النحاس والليثيوم حتى 2035، بينما قد تتجاوز فجوة الكوبالت 25% إذا استمرت القيود الحالية. (IEA) هنا تظهر القيمة الاستراتيجية للكونغو الديمقراطية وزامبيا ودول أفريقية أخرى. الكونغو تسيطر على حصة ضخمة من إنتاج الكوبالت، وزامبيا والكونغو معاً أصبحتا محوراً رئيسياً في سوق النحاس، بينما تتسابق شركات عالمية على مشروعات الليثيوم والغرافيت في أنحاء القارة. لكن القوة الحقيقية لم تعد في امتلاك المنجم وحده. الصين أثبتت ذلك. فهي لا تسيطر فقط على جزء مهم من استخراج المعادن، وإنما بنت هيمنة أكبر في التكرير والمعالجة والتصنيع. وتقول وكالة الطاقة الدولية إن متوسط حصة الدولة الأكبر في عمليات التكرير للمعادن الرئيسية بلغ نحو 72% في 2025. وهذا يعني أن العالم قد يجد مورداً جديداً للخام، لكنه يظل معتمداً على دولة واحدة في تحويله إلى مادة قابلة للاستخدام الصناعي. (IEA) لهذا أصبحت الولايات المتحدة وأوروبا واليابان تحاول بناء سلاسل إمداد بديلة، وتقدم التمويل وتدخل في شراكات مباشرة مع الدول المنتجة. ومن وجهة النظر الأفريقية، يمكن أن تكون هذه المنافسة فرصة تاريخية: عندما يحتاج الجميع إلى المورد نفسه، ترتفع قدرة مالكه على التفاوض. لكن الاستفادة تتطلب تغيير قواعد اللعبة. المطلوب ألا تكتفي الحكومات بمنح الامتيازات مقابل الضرائب والإتاوات، وإنما أن تربطها بمصانع التكرير والصهر، وتوطين المعرفة، وتدريب العمالة، وتطوير السكك الحديدية والموانئ والكهرباء. فالمعادن يمكن أن تصبح نواة لسياسة صناعية، لا مجرد بند في قائمة الصادرات. ومع ذلك، لا يكفي إصدار قرار بمنع تصدير الخام. فالتصنيع يحتاج إلى كهرباء مستقرة ومياه وتمويل وطرق ومهارات وتكنولوجيا. وإذا حظرت دولة التصدير قبل بناء البديل الصناعي، فقد تخسر المستثمر والأسواق معاً. لذلك فإن التحول من التعدين إلى التصنيع يحتاج إلى استراتيجية متدرجة، وليس إلى شعارات سيادية فقط. هناك أيضاً خطر آخر: لعنة الموارد. ارتفاع أسعار المعادن يمكن أن يغذي الفساد والصراعات والتهريب والاحتكار، كما حدث مراراً مع النفط والذهب. وإذا بقيت المؤسسات ضعيفة، فقد يتحول اكتشاف الليثيوم أو النحاس إلى مصدر صراع بدلاً من أن يصبح أداة للتنمية. المعركة الحقيقية إذن ليست بين الصين وأمريكا وحدهما، بل داخل أفريقيا نفسها: هل تستطيع القارة أن تغير موقعها في الاقتصاد العالمي من مورّد للخام إلى شريك في التصنيع؟ إذا استمر النموذج الحالي، ستخرج أطنان الكوبالت والنحاس والليثيوم من المناجم الأفريقية، بينما تبقى المصانع وبراءات الاختراع والأرباح الكبرى في الخارج. أما إذا استخدمت الدول الأفريقية التنافس العالمي لفرض شروط صناعية جديدة، فقد تصبح المعادن الحرجة بوابة إلى شيء ظل بعيداً عنها طويلاً: التصنيع واسع النطاق. وهنا يكمن السؤال الحقيقي للسنوات المقبلة: هل تكون ثروة باطن الأرض هذه المرة طريقاً لخروج أفريقيا من اقتصاد المواد الخام، أم مجرد نسخة حديثة من قصة قديمة