أسئلة ما قبل بدء الحوار السوداني: تعثر استقرار السودان .. أزمة سلطة أم أزمة دولة؟
Mazin
أحمد التجاني الشايب
لم يعد تعثر الاستقرار في السودان مجرد ظاهرة عابرة مرتبطة بحكومة بعينها أو بصراع سياسي مؤقت بين قوى متنافسة على السلطة، وإنما أصبح تعبيرًا عن أزمة أعمق تتصل بطبيعة الدولة نفسها، وبقدرتها على إنتاج الشرعية، وإدارة التعدد، واحتكار العنف المشروع، وتحقيق التوازن بين المركز والأقاليم، وإقامة مؤسسات وطنية قادرة على الاستمرار بعيدًا عن تقلبات السلطة السياسية.
ومن هنا فإن، السؤال الأكثر إلحاحاً، والسودانيون مقبلون على حوار جديد، ليس: لماذا تتعثر كل محاولة جديدة للاستقرار في السودان؟ وإنما: هل يعاني السودان أزمة سلطة، أم أن الأزمة في جوهرها أزمة دولة؟
لا شك أن السودان عرف، منذ الاستقلال، أزمات متكررة في السلطة السياسية. تعاقبت الحكومات المدنية والعسكرية، وتبدلت التحالفات، وتعددت الانقلابات والانتفاضات والاتفاقيات السياسية، لكن النتيجة ظلت واحدة تقريبًا: عجز متكرر عن بناء نظام سياسي مستقر قادر على إدارة الاختلاف داخل المؤسسات بدلًا من تحويله إلى صراع صفري.
غير أن اختزال المشكلة في أزمة السلطة وحدها قد يقود إلى قراءة ناقصة؛ لأن السلطة تتغير، بينما تستمر الاختلالات البنيوية التي تنتج الأزمة نفسها. فالمشكلة لا تكمن فقط في من يحكم السودان، وإنما في كيفية بناء الدولة التي يُحكم السودان من خلالها.
لقد ظلت الدولة السودانية، في مراحل مختلفة، تعاني ضعفًا في بناء المؤسسات القومية، واختلالًا في توزيع السلطة والثروة، فضلًا عن استمرار التفاوت بين المركز والأقاليم. وعندما تضعف المؤسسات الوطنية، يصبح الوصول إلى السلطة هدفًا يتجاوز إدارة الدولة إلى السيطرة على مواردها وأجهزتها، فتتحول المنافسة السياسية تدريجيًا إلى صراع على الدولة ذاتها.
وهنا تظهر خطورة المسألة. ففي الدولة المستقرة، يمكن أن تتغير الحكومة دون أن تتغير الدولة؛ لأن المؤسسات تستمر، والقواعد الدستورية تحكم الانتقال، والقوات المسلحة والأجهزة النظامية تظل مؤسسات وطنية، والإدارة العامة تعمل وفق القانون، بينما يحتفظ المجتمع بقدرته على حماية الدولة من الانهيار السياسي.
أما عندما تصبح الدولة نفسها محل صراع، فإن سقوط الحكومة أو تغيير القيادة لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من الصراع. وهذا ما يجعل الأزمة السودانية أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف بين قوى سياسية حول من يتولى الحكم.
لقد كشفت الحرب الراهنة بوضوح حجم هذا الخلل. فحين تتعدد مراكز القوة المسلحة، وتتراجع قدرة الدولة على احتكار استخدام القوة، يصبح الصراع السياسي قابلًا للتحول في أي لحظة إلى صراع عسكري. وحين تتراجع الثقة في المؤسسات، يصبح كل طرف ميالًا إلى بناء أدواته الخاصة للحماية والنفوذ، فتزداد الدولة ضعفًا كلما ازدادت القوى المتنافسة قوة.
لكن أزمة الدولة لا تعني أن أزمة السلطة غير موجودة. على العكس، فإن أزمة السلطة جزء من أزمة الدولة ومظهر من مظاهرها. فالسلطة التي لا تستند إلى شرعية دستورية مستقرة، ولا إلى مؤسسات قومية، ولا إلى توافق اجتماعي واسع، تصبح بطبيعتها مصدرًا إضافيًا لعدم الاستقرار.
ولهذا فإن السودان ظل يدور في حلقة مفرغة: أزمة سياسية تنتج ضعفًا مؤسسيًا، والضعف المؤسسي ينتج صراعًا على السلطة، والصراع على السلطة يعمق أزمة الدولة، ثم تؤدي أزمة الدولة إلى إعادة إنتاج الأزمة السياسية من جديد.
وقد ساهمت طبيعة النخب السياسية السودانية في تعقيد هذه الدائرة؛ إذ كثيرًا ما غلبت الحسابات الحزبية والجهوية والشخصية على بناء مشروع وطني طويل المدى. كما أن القوى السياسية، في مراحل متعددة، تعاملت مع الدولة باعتبارها أداة للوصول إلى أهدافها، بدل النظر إليها باعتبارها ملكًا عامًا لجميع السودانيين.
ولذلك فإن استقرار السودان لا يمكن أن يتحقق بمجرد التوصل إلى اتفاق سياسي بين النخب، مهما كانت أهمية ذلك الاتفاق. الاتفاق السياسي قد يوقف الحرب أو ينظم الانتقال، لكنه لا يكفي وحده لبناء دولة مستقرة. المطلوب هو الانتقال من تسوية السلطة إلى إعادة تأسيس الدولة.
وهذا يعني إعادة تعريف العلاقة بين السياسة والدولة، بحيث تصبح المنافسة السياسية تنافسًا على البرامج والسياسات، لا تنافسًا على السيطرة على مؤسسات الدولة. كما يعني بناء جيش وطني واحد، وأجهزة أمنية قومية، وقضاء مستقل، وإدارة مدنية مهنية، ونظام دستوري واضح يحدد حدود السلطة ويمنع تغول أي مؤسسة على المؤسسات الأخرى.
ويظل السؤال المتعلق بالمركز والأقاليم من أهم أسئلة الدولة السودانية. فالتهميش الذي عانت منه مناطق واسعة من البلاد لم يكن مجرد نتيجة لسياسات حكومات بعينها، بل أصبح جزءًا من بنية الدولة نفسها. ولذلك فإن إعادة بناء الدولة تقتضي معالجة قضية توزيع السلطة والثروة معالجة دستورية ومؤسسية، لا باعتبارها منحة من المركز إلى الأطراف، وإنما باعتبارها حقًا أصيلًا للمواطنين والأقاليم.
ومن هنا فإن المواطنة المتساوية ينبغي أن تصبح أساسًا للعقد السياسي السوداني الجديد؛ فلا يكون الانتماء الجهوي أو القبلي أو الديني أو السياسي معيارًا للحصول على الحقوق أو الفرص، ولا تكون الدولة ملكًا لجماعة أو حزب أو مؤسسة.
كما أن الاستقرار الحقيقي لا ينفصل عن التنمية. فالدولة التي تعجز عن توفير الأمن والتعليم والصحة والخدمات الأساسية، وتترك قطاعات واسعة من مواطنيها خارج دائرة الإنتاج والفرص، تظل معرضة لإعادة إنتاج النزاعات. ولذلك فإن إعادة بناء الدولة ينبغي أن تتزامن مع مشروع اقتصادي واجتماعي يعيد توزيع فرص التنمية ويعالج جذور الفقر والتهميش.
إن السودان لا يحتاج فقط إلى حكومة جديدة، بل إلى صيغة جديدة للدولة. دولة لا تُبنى على الغلبة، ولا على احتكار حزب أو تنظيم أو مؤسسة عسكرية للقرار، وإنما على عقد دستوري يحدد الحقوق والواجبات، وينظم تداول السلطة، ويضمن استقلال المؤسسات، ويجعل القانون فوق الجميع.
ومن الخطأ الاعتقاد أن إنهاء الحرب، على أهميته، يعني بالضرورة نهاية الأزمة السودانية. فقد تنتهي الحرب بينما تبقى الأسباب التي أنتجتها قائمة. ولذلك فإن التحدي الأكبر بعد وقف القتال سيكون منع إعادة إنتاج الأزمة في صورة جديدة، وذلك عبر معالجة جذورها السياسية والمؤسسية والاجتماعية.
إن السودان يقف اليوم أمام خيارين: إما العودة إلى دورة قديمة تبدأ بصراع سياسي، ثم انسداد، ثم تدخل عسكري، ثم مقاومة، ثم تسوية مؤقتة، ثم إعادة إنتاج الأزمة؛ وإما اغتنام اللحظة التاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
وفي تقديري، فإن المدخل الصحيح لذلك هو الاعتراف بأن السودان يعاني أزمة سلطة وأزمة دولة في آن واحد، لكن أزمة الدولة هي الأعمق؛ لأنها تفسر جانبًا كبيرًا من تكرر أزمات السلطة. ومن ثم فإن تغيير الحكومات دون إصلاح بنية الدولة لن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة.
إن السودان يحتاج إلى دولة وطنية حديثة، تقوم على المواطنة المتساوية، والشرعية الدستورية، وسيادة القانون، والمؤسسات القومية، والتداول السلمي للسلطة، واللامركزية العادلة، والعدالة في توزيع الموارد، واحتكار الدولة للسلاح.
عندها فقط يمكن أن يتحول الاستقرار من هدنة مؤقتة بين المتصارعين إلى حالة سياسية واجتماعية مستدامة.
فالمطلوب في السودان ليس فقط أن يتوقف القتال، ولا أن تتوافق النخب على حكومة جديدة، وإنما أن تنجح البلاد أخيرًا في الإجابة عن السؤال الأكبر: أي دولة نريد أن نبني؟
ومن دون الإجابة عن هذا السؤال، سيظل السودان معرضًا لأن تتغير السلطات بينما تستمر الأزمة؛ أما إذا نجح السودانيون في بناء دولة تتسع للجميع، فإن تغيير السلطة سيصبح حدثًا سياسيًا طبيعيًا، لا مناسبة جديدة لانهيار الدولة.