١ ساد اعتقاد بأن تعديل بنك السودان ووزارة النفط والطاقة لسياسة استيراد المشتقات البترولية سيؤدي حتمًا إلى تراجع سعر الدولار. هو حل قد ينجح أو يفشل مؤقتًا، إلا أن التفاؤل بأنه يمثل المخرج النهائي من الأزمة يفتقر إلى الواقعية؛ فالأسباب التي أدت إلى تدهور العملة الوطنية لا تزال قائمة. كيف ذلك؟ ٢ إن الهجمة التي حدثت على السوق الموازي جراء استخراج أذونات لأكثر من خمس عشرة باخرة ترسو الآن في الميناء، أدت إلى ذلك التكالب؛ لأن التجار اندفعوا نحو السوق جميعًا في وقت واحد لشراء الدولار. وما زالت ارتداداتها مستمرة رغم الإجراءات الأمنية التي اتخذتها الأجهزة في الأيام السابقة، ورغم تعهد خمس شركات كبرى بالتوقف عن شراء الدولار. لكن الشركات التي تقف بواخرها في الميناء ليس لديها الآن مخرج سوى الحصول على الدولار، فهي إذن لن تتوقف. الجيد في الأمر أن تلك الأذونات اللعينة قد توقفت، والمهم أن حاجة البلاد لا تتعدى ثلاث بواخر، فكيف يتم إصدار أذونات لإحدى عشرة باخرة؟ الأمر الثاني يتعلق بسياسات بنك السودان؛ فالسياسات التي ألزمت الشركات الراغبة في الدخول في مجال استيراد البترول بأن تكون من الشركات المؤهلة لدى وزارة النفط والطاقة، وبإيداع 200 كيلوغرام من الذهب، تمثل علاجًا مؤقتًا لمرض مزمن لم تُعالج مسبباته وجذوره. أما السبب الثالث، وهو الأكثر خطورة، فيتعلق بالفوضى التي تحدثها الشركات الحكومية، بل والوزارات في الاقتصاد. إذ ثبت أن أكبر مشترٍ للدولار في السوق هي تلك الشركات الحكومية، وهي التي تأخذ الدولار إلى الخارج ولا تعيده إلى بنك السودان، وتفتح حسابات بملايين الدولارات في الخارج لا يعرف أحد عنها شيئًا إلا دوائر محدودة. وإن عرفت الجهات المختصة كبنك السودان، فلن تستطيع فعل شيء. بل هناك جهات تجري صفقات في الخارج عبر شراكات متعددة ولا تأتي بأموال الشراكة إلى الداخل. وحين ندرك أن عجز الميزان التجاري في الربع الأول من عام 2025 قد وصل إلى 3.8 مليار دولار، مضافًا إليه فجوات تهريب الذهب وضآلة الصادرات، تتجلى بوضوح حجم الكارثة التي نواجهها. ٣ لقد جربت الحكومات المتعاقبة شتى الأدوات، من سياسات نقدية وإجراءات أمنية ومحافظ استراتيجية، ولكن ظلت النتائج مخيبة للآمال بسبب أن ميزان المدفوعات يعاني من اختلال هيكلي مزمن، حيث تبتلع الواردات -وعلى رأسها السلع الأساسية والمواد البترولية- كل ما تجنيه الدولة من عائدات صادرات محدودة. وإذا أضفنا إلى ذلك أن عجز ميزان المدفوعات في الربع الأول فقط بلغ 3.8 مليار دولار. ٤ إذن، يجب علاج المشكلة الأساسية وهي ميزان المدفوعات. وذلك من خلال خطوتين متكاملتين: حلول إسعافية عاجلة لوقف النزيف، وحلول استراتيجية طويلة الأمد.
أولًا: أن تسيطر الحكومة على الموارد المهدرة في التهريب، ولجم مافيا البترول، ووقف استهتار الشركات الحكومية وتغولها على أموال الدولة وسياساتها، مع إلزامها بإعادة جميع المبالغ المحولة إلى الخارج. وبذلك يمكن بناء احتياطيات لا يستهان بها، خاصة إذا علمنا أن قيمة الذهب المهرب (56 طنًا) بسعر اليوم تعادل نحو 8 مليارات دولار.
ثانيًا: الإجراء الثاني يتعلق بالمعالجات المستعجلة التي كررناها ألف مرة ولا حياة لمن تنادي، أولها: التعاقد مع شركة بترول كبرى لتوريد البترول لمدة عام أو على الأقل 6 أشهر (مثل أرامكو مثلًا)، وخاصة أن السيد وزير الطاقة أشار بالأمس إلى تحرك خارجي عاجل، فليتجه نحو أرامكو فيتول، بل هناك عروض لشركات دولية على الطاولة.
ثالثًا: وبالإمكان أيضًا التوجه شرقًا نحو شركاء موثوقين مثل الصين، للحصول على قروض ميسرة أو إبرام شراكات استراتيجية في قطاع المعادن والطاقة، مستفيدين من حاجة الصين المتزايدة للموارد الأفريقية وخاصة المعادن، مع اتخاذ الذهب ضمانًا قويًا لهذه الاتفاقيات. ٥ أما العلاج النهائي فهو أن تتبنى الحكومة خطة إصلاحية شاملة لزيادة الصادرات لمعالجة اختلال ميزان المدفوعات، وهناك برامج وخطط قُدمت، آخرها المقترحات التي قدمها السيد وجدي ميرغني. ٦ إن استعادة التوازن تبدأ بقرار سيادي شجاع يوقف نزيف الموارد، ويُخضع الشركات الحكومية لرقابة مالية صارمة وشفافة، ويُنهي حقبة «اقتصاد الريع» لصالح «اقتصاد الإنتاج والصادرات». إننا اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما بناء رؤية اقتصادية وطنية مستقلة تضع مصلحة البلاد فوق أي اعتبار، أو الانزلاق نحو فوضى اقتصادية ستقوض ما تبقى من مقومات الدولة. الكرة الآن في ملعب صانع القرار؛ فإما الشروع فورًا في إصلاحات هيكلية حقيقية، أو انتظار التبعات الوخيمة لهذا التدهور المستمر.