أديس أبابا ومعركة الشرعية القادمة في السودان .. من يملك حق اختيار المشاركين في الحوار ؟
Mazin
مهند عوض محمود
من يقرأ البيان الختامي الصادر عن الآلية الخماسية عقب اجتماعات أديس أبابا قد يخرج بانطباع أولي مفاده أن الأمر لا يتجاوز مشاورات سياسية جديدة تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين السودانيين وتهيئة الظروف لحوار شامل يقود إلى السلام. لكن القراءة المتأنية للبيان، وربطه بمسار التحركات الدولية منذ مؤتمر برلين وحتى اجتماعات أديس الأخيرة، تقود إلى استنتاج مختلف تماماً. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بإدارة الحرب أو البحث عن تسوية سياسية، بل أصبحت تتعلق بمعركة أكثر عمقاً وخطورة: معركة تحديد من يملك حق تمثيل السودان وصناعة شرعيته السياسية في مرحلة ما بعد الحرب.
ولعل أول ما يلفت الانتباه أن مسار الأحداث منذ مؤتمر برلين وحتى أديس أبابا يكشف عن تطور تدريجي في طبيعة الدور الذي تمارسه الخماسية. ففي البداية كان الحديث يدور حول وقف الحرب وتهيئة المناخ للحوار، ثم انتقل الحديث إلى ضرورة إشراك طيف أوسع من القوى السياسية والمدنية، ثم أصبح التركيز على إنشاء لجنة تحضيرية للحوار، ثم الحديث عن توسيع دائرة المشاركين في العملية السياسية المقبلة. هذا التدرج يبدو للوهلة الأولى طبيعياً، لكنه في الحقيقة يكشف انتقالاً تدريجياً من دور الوسيط إلى دور أكثر تأثيراً في تشكيل البيئة السياسية التي ستنتج السلطة المقبلة.
فالوسيط التقليدي لا يصنع الأطراف ولا يحدد هوياتها، بل يجمع الأطراف الموجودة أصلاً على الأرض. أما عندما يصبح النقاش الأساسي متعلقاً بمن يشارك ومن لا يشارك، ومن يمثل ومن لا يمثل، ومن يملك الشرعية ومن يفتقدها، فإن الوساطة تتحول تدريجياً إلى عملية هندسة سياسية.
ويصعب فصل هذا الحراك السياسي المتسارع عن التطورات العسكرية التي شهدتها الحرب خلال الأشهر الأخيرة. فكلما اقتربت موازين القوى على الأرض من إنتاج واقع جديد، تزداد أهمية المعركة السياسية حول من سيملك حق إدارة مرحلة ما بعد الحرب. ولهذا لا تبدو معركة تشكيل اللجنة التحضيرية منفصلة عن الصراع الدائر على الأرض، بل تبدو امتداداً سياسياً له بأدوات مختلفة. فالقوى التي قد تعجز عن التأثير في نتائج الميدان تحاول بطبيعة الحال التأثير في البيئة السياسية التي ستفسر تلك النتائج وتحدد كيفية ترجمتها إلى ترتيبات حكم وسلطة ونفوذ.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي الذي ينبغي أن يشغل كل سوداني: ماذا تريد الخماسية فعلاً؟
هناك ثلاثة تفسيرات محتملة:
الفرضية الأولى أن الخماسية تسعى إلى خلق كتلة سياسية ومدنية جديدة تكون قادرة على لعب دور الشريك المحلي في أي تسوية قادمة. فالكثير من القوى التي كانت تمثل المشهد السياسي قبل الحرب تعرضت لتصدعات وانقسامات وفقدت جزءاً من نفوذها وتأثيرها. ومن ثم قد يكون الهدف هو إعادة تركيب مركز سياسي جديد يمنح العملية السياسية القادمة قاعدة مدنية أوسع.
الفرضية الثانية أن الخماسية تسعى إلى منع أي واقع عسكري جديد من التحول تلقائياً إلى واقع سياسي جديد. فمع تغير موازين القوى على الأرض، تخشى بعض الأطراف الدولية أن يؤدي أي تفوق عسكري إلى احتكار كامل للمشهد السياسي لاحقاً. ومن ثم فإن بناء منصات سياسية جديدة قد يكون محاولة لإعادة توزيع النفوذ السياسي بغض النظر عن نتائج الميدان.
أما الفرضية الثالثة، وهي الأكثر أهمية والأقرب للقراءة الاستراتيجية طويلة المدى، فتتمثل في أن الخماسية لا تعمل فقط على تسهيل حوار بين السودانيين، بل على إنشاء مرجعية سياسية جديدة تستطيع التحدث باسم قطاع واسع من السودانيين خلال المرحلة المقبلة، وتصبح لاحقاً شريكاً معترفاً به دولياً في أي ترتيبات انتقالية أو تفاوضية قادمة.
وقد لا تكون هذه الفرضيات متعارضة، بل ربما تعمل كلها معاً بدرجات متفاوتة.
وإذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن السؤال التالي يصبح أكثر أهمية: من الذي منح الخماسية حق تحديد من يمثل السودانيين أصلاً؟
فالبيان تحدث عن أصوات سودانية أوسع، وعن مجموعة أكبر من أصحاب المصلحة، وعن عملية شاملة يقودها السودانيون. لكنه لم يوضح من الذي سيحدد هؤلاء السودانيين، ولا المعايير التي سيتم على أساسها اختيارهم، ولا المرجعية القانونية أو السياسية التي ستستند إليها هذه الاختيارات.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية..
فالديمقراطية لا تقوم على اختيار المنافسين قبل بدء المنافسة، ولا على منح الشرعية السياسية عبر غرف التفاوض المغلقة. بل تقوم على منح الجميع حق المشاركة ثم ترك المجتمع يحسم خياراته عبر الوسائل السياسية المشروعة.
ولهذا فإن الجدل الذي أثير حول استبعاد المؤتمر الوطني لا ينبغي النظر إليه باعتباره قضية تخص حزباً بعينه، بل باعتباره مؤشراً على مشكلة أكبر تتعلق بطبيعة العملية نفسها.. فإذا كانت العملية السياسية شاملة، فلماذا يناقش المجتمعون استبعاد هذا الطرف أو ذاك؟
وإذا كان الاستبعاد مقبولاً اليوم، فما الذي يمنع توسيع دائرة الاستبعاد غداً؟
وإذا كانت شرعية المشاركة تُمنح عبر التوافقات السياسية المغلقة، فما الذي يبقى من مفهوم التمثيل الشعبي أصلاً؟
إن القضية هنا ليست الدفاع عن المؤتمر الوطني ولا عن أي حزب آخر، بل الدفاع عن مبدأ أساسي يتمثل في أن حق المشاركة السياسية يجب ألا يخضع لرغبات الخصوم أو لتقديرات الوسطاء الدوليين.
ومن زاوية أمنية و استراتيجية أوسع، فإن أخطر ما في هذا المسار ليس ما يقال داخل القاعات المغلقة، بل الرسائل التي يرسلها إلى القوى السياسية والعسكرية الموجودة على الأرض.. فحين يرى الفاعلون أن بعض الأطراف المسلحة تجد لنفسها مقاعد داخل العملية السياسية بينما يدور الجدل حول استبعاد أطراف أخرى تمارس العمل السياسي، فإن الرسالة الضمنية تصبح شديدة الخطورة.. إذ قد يُفهم منها أن السلاح ليس عائقاً أمام الاعتراف السياسي، وربما يكون في بعض الحالات وسيلة فعالة للحصول عليه.
وهذه الرسالة وحدها كفيلة بإنتاج أسباب النزاع القادم حتى أثناء البحث عن حلول للنزاع الحالي.. لكن الخطر الأكبر لا يكمن هنا.. فالفقرة الأكثر أهمية في بيان الخماسية هي تلك التي أكدت رفض أي حكومة موازية أو أي ترتيبات من شأنها زيادة تفتيت السودان.
ومن حيث المبدأ فإن هذا موقف صحيح وضروري..
غير أن القراءة الاستراتيجية تفرض سؤالاً لا يمكن تجاهله:
إذا كانت الحكومة الموازية مرفوضة لأنها تنتج شرعية موازية، فهل يجوز إنشاء مرجعية سياسية موازية خارج مؤسسات الدولة ثم التعامل معها باعتبارها الممثل الشرعي للسودانيين؟
وما الفرق عملياً بين حكومة موازية ومرجعية سياسية موازية إذا كانت كلتاهما تدعي تمثيل قطاعات واسعة من الشعب خارج الأطر الدستورية والمؤسسية القائمة؟
إن أخطر عمليات التفتيت في التاريخ الحديث لم تبدأ بإعلان الانفصال، وإنما بدأت بتعدد مراكز الشرعية.. فعندما تصبح هناك شرعية عسكرية وشرعية سياسية وشرعية ثورية وشرعية تفاوضية وشرعية دولية، تبدأ الدولة تدريجياً في فقدان مركزها الجامع.. وعندما تتعدد مراكز الشرعية تتعدد مراكز القوة.. وعندما تتعدد مراكز القوة تبدأ الهويات السياسية والجهوية والقبلية في البحث عن أطر تمثيل مستقلة.
وهنا تحديداً تظهر المخاطر المتعلقة بدارفور.. فدارفور ليست مجرد إقليم يمكن فصله أو الإبقاء عليه داخل السودان بقرار سياسي، بل هي منظومة معقدة من التوازنات القبلية والعسكرية والاجتماعية والإقليمية. وأي عملية سياسية يُنظر إليها باعتبارها منحازة أو انتقائية أو مفروضة من الخارج يمكن أن تدفع أطرافاً مختلفة داخل الإقليم إلى البحث عن مسارات تمثيل خاصة بها.. وعندها لا يصبح الخطر هو انفصال دارفور بالمعنى التقليدي، بل ظهور مراكز نفوذ متعددة داخل الإقليم نفسه، لكل منها حلفاؤها ورؤيتها الخاصة لمستقبل السودان ومصادر شرعيتها المختلفة.. وهذا هو المسار الذي سبق أن قاد دولاً عديدة إلى التفكك التدريجي دون إعلان انفصال رسمي.
ومن هنا فإن الخطر الحقيقي في مسار أديس أبابا لا يتمثل في نجاح الحوار أو فشله، ولا في مشاركة هذا الحزب أو ذاك، بل في السؤال الأكبر الذي يتشكل بهدوء خلف الكواليس: من الذي سيملك حق تعريف الشرعية السياسية السودانية في مرحلة ما بعد الحرب؟
هل سيكون الشعب السوداني عبر عملية سياسية وطنية مفتوحة؟ أم ستكون مجموعة مختارة من القوى التي توافق عليها الأطراف الدولية والإقليمية؟
إن هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن يناقشه السودانيون اليوم.. فإذا استمرت المقاربة الحالية، فإن الخطر لا يتمثل فقط في فشل العملية السياسية، بل في إنتاج شرعيات متنافسة داخل الدولة الواحدة. وعندما تتعدد الشرعيات تتعدد مراكز القوة، وعندما تتعدد مراكز القوة يصبح الحفاظ على وحدة الدولة نفسها أكثر صعوبة.
ولذلك فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل السودان خلال السنوات القادمة ليس من سيشارك في الحوار القادم، بل من يملك حق اختيار المشاركين فيه. فهنا تبدأ معركة الشرعية الحقيقية، وهنا يتحدد ما إذا كانت العملية الجارية تهدف إلى تسهيل حوار بين السودانيين أم إلى صناعة مرجعية سياسية جديدة تتحدث باسمهم. وبين هذين الاحتمالين يكمن الفارق بين وساطة تساعد على بناء الدولة، ومسار قد يفتح الباب ـ ولو بحسن نية ـ أمام إعادة إنتاج أزمة الشرعية التي ظلت تطارد السودان لعقود طويلة.