أخبار رئيسيةالأخبار

أجواء إثيوبية تنبئ بعودة الاقتتال وآبي أحمد يدعو إلى الحوار

تمر إثيوبيا بواقع محلي وظروف إقليمية قد تهيئ لعودة الصراع مجدداً مع إقليم تيغراي، وهو ما تعمل حكومة أديس أبابا على تجنبه، فضمن أحدث مقابلة مطولة له مع وكالة الأنباء الإثيوبية أكد رئيس الوزراء آبي أحمد حرص حكومته على ترسيخ السلام في إقليم تيغراي والاستعداد لاتخاذ ما يلزم لتحقيق الهدف، فما الحيثيات المصاحبة لخطاب آبي أحمد وإلى أي مدى تستجيب الساحة السياسية لواقع الحوار الذي تحرص عليه الحكومة؟

كانت الحكومة الإثيوبية اتهمت خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 كلاً من إريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بزعامة دبريصيون قبري ميكائيل بالتحضير لحرب جديدة ضدها، وقالت خارجية أديس أبابا ضمن رسالة موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن “أسمرة وفصيلاً متشدداً من جبهة تحرير تيغراي يمارسان أنشطة عدائية ضد إثيوبيا، تشمل تمويل وتعبئة وقيادة مجموعات مسلحة في مناطق مختلفة، خصوصاً في ولاية أمهرة (حركة الفانو) لمحاربة الحكومة”.

من جهتها وخلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 دعت جبهة تحرير شعب تيغراي كلاً من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي إلى التدخل، في أعقاب ما وصفته بـ”ضربة بطائرة من دون طيار تابعة للحكومة الفيدرالية”، وجاء في الرسالة أنه خلال زيارة عمل قام بها رئيس الإدارة الإقليمية الموقتة لتيغراي الفريق أول تايسي ووردي إلى جنوب الإقليم تزامن الهجوم. واتهم رئيس الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي دبريصيون قبري ميكائيل الحكومة الفيدرالية بارتكاب “انتهاكات جسيمة” لاتفاق وقف الأعمال العدائية، وهو البند الرئيس لاتفاق بريتوريا.

ما بين اليوم والأمس

الواقع الحالي الذي تعيشه إثيوبيا في ظروف التوتر بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيغراي يشابه تطورات أحداث سابقة في نهايات عام 2020، حينما نشب خلاف بين الطرفين وتبادلا اتهامات تجاه عدد من القضايا من ضمنها الالتزام بموعد الانتخابات وفق الدستور الفيدرالي، وما تبع ذلك من خطوات تصعيدية اتهمت فيها جبهة تحرير تيغراي حكومة آبي أحمد بعدم الشرعية بعد انتهاء ولايتها. وفي حين أرجعت الحكومة أسباب تأخير الانتخابات لجائحة كورونا أجرت الجبهة انتخابات إقليمها متحدية الحكومة الفيدرالية. وخلال ليل الرابع من نوفمبر 2025 اتهمت الحكومة قوات جبهة تحرير تيغراي بمهاجمة القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي الموجودة شمالاً، مما تسبب في إشعال الحرب.

على رغم نجاح الطرفين في إبرام اتفاق سلام بريتوريا بجنوب أفريقيا خلال نوفمبر 2020 تحت رعاية الاتحاد الأفريقي بعد ضغوط دولية، فإنه لا تزال هناك تعقيدات ترافق تنفيذ بنود مهمة في الاتفاق من ضمنها إعادة اللاجئين المشردين إلى مناطقهم في إقليم تيغراي، وإرجاع بعض مناطق الإقليم التي أصبحت خارج سيطرة الحكومة الإقليمية لتيغراي بسبب الحرب، إلى جانب ما شكلته تطورات تصعيدية في اتهامات وخلافات ناجمة في صلب تنفيذ الاتفاق، وأنشطة تكتيكية مع أطراف إقليمية في مقدمها دولة إريتريا الرافضة لاتفاق بريتوريا. أجواء الصراع أضافت لها الاستعدادات الجارية للانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها خلال الأول من يونيو (حزيران) 2026، خلافات المناطق بين قوميتي تيغراي وأمهرا عندما اتخذ المجلس الفيدرالي ومن بعده المجلس الوطني للانتخابات قراراً بتأجيل إجراء الانتخابات داخل خمس دوائر شمال إثيوبيا، في منطقة “ولقيت ورايا” التي كانت تابعة لإقليم تيغراي، وأثار القرار فعاليات سياسية على مستوى الإقليم على رغم ما تبعه من قرار فاصل بتعطيله عبر المحكمة الفيدرالية.

كسر دائرة العداء

الاتهامات المتبادلة تعيد أجواء الخلافات الماضية التي أدت إلى نشوب حرب عامي (2020 -2022) بين حكومة آبي أحمد وجبهة تحرير تيغراي. وضمن أحدث تصريحات له شدد رئيس الوزراء على الحاجة الملحة لكسر ما وصفه بـ”دائرة العداء”، لا سيما في شمال إثيوبيا، مؤكداً أن السلام الدائم لا يتحقق إلا من خلال الحوار والتسوية.

وخلال مقابلة مطولة مع وكالة الأنباء الإثيوبية (أجريت باللغة التغرية) كخطاب موجه إلى شعب إقليم تيغراي، تناول رئيس الوزراء أسباب النزاع السابق شمال إثيوبيا، والذي انتهى رسمياً بتوقيع اتفاق بريتوريا للسلام.

وأرجع أسباب الخلاف إلى رفض جبهة تحرير شعب تيغراي (الحزب الحاكم في السابق) للقوى الإصلاحية، وتبنيها غطرسة اتسمت بعقلية “الأنانية” حسب تعبيره، وقال إنها تتقيد بأيديولوجية عفا عليها الزمن ولا تتناسب مع الواقع السياسي الراهن، مما أدى بها لقرارات متهورة تعرض الشعب والمنظمة نفسها للخطر.

وأضاف “ظنت الجبهة أنها تستطيع تحقيق مآربها بسهولة، لكن ذلك لم يكن ممكناً. ونتيجة لذلك وبدلاً من التعاون مع الإصلاحيين اختارت الحرب والصراع والدمار، ولهذا السبب دخلنا صراعاً لم نكن نرغب فيه ودفعنا ثمناً باهظاً لا داعي له”.

وأقر رئيس الوزراء بأن شعب تيغراي تحمل عبئاً ثقيلاً للغاية خلال الصراع، مؤكداً كذلك أنه بدلاً من العمل بتناغم لتغيير قيادتهم ومجتمعاتهم، استمرت العناصر المتطرفة في تأجيج العداء تجاه شباب تيغراي وقوات الأمن والمغتربين وعموم السكان.

وبعيداً من الصراع الشمالي أشار رئيس الوزراء الإثيوبي إلى أن بعض التوترات المتكررة في إثيوبيا تنبع مما وصفه بـ”بنية سياسية غير سليمة”، مؤكداً أن هذه التحديات النظامية لا يمكن حلها فقط من خلال الانتخابات أو الأحكام القضائية أو الوسائل العسكرية. وأكد مجدداً رسالته الأساس، وهي ضرورة كسر “دائرة العداء” بصورة حاسمة ودائمة من خلال اللجنة الوطنية للحوار.

وضمن حديثه اتهم رئيس الوزراء آبي أحمد ما سماها الجماعات المتطرفة في تيغراي بأنها تعرقل جهود الحوار بمنع المواطنين من مناقشة مخاوفهم علناً، والبحث عن حلول. وقال إن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تستغل موازنة التنمية في الإقليم للتحضير للحرب وتمويل قواتها، معتبراً أن هذا التوجه يزيد من معاناة سكان تيغراي ويقوض جهود الاستقرار.

بعض الاستجابات

الكاتب في الشؤون الإثيوبية محمد شافي يقول “مع اقتراب موعد الانتخابات العامة السابعة، والتي تقول عنها الحكومة إنها انتخابات لم يسبق لها مثيل من حيث استخدام التكنولوجيا لضمان نزاهتها وشفافيتها، يتبادر السؤال الأهم حول موضوع الأمن الداخلي الذي ما زال يشهد توتراً من حين إلى آخر، داخل أقاليم أوروميا وأمهرة وغامبيلا وتيغراي، علاوة على عدم نجاح جهود مفوضية الحوار الوطني في إحداث توافق وطني وحل التراكمات التاريخية التي أدت إلى الشقاق بين أبناء البلد الواحد، مما يجعل عملية تحقيق السلام المنشود والتوافق الوطني في الأجندات الوطنية أمراً في غاية الصعوبة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى